حين تنقسم الجبهة الداخلية: لبنان في قلب تصعيد المنطقة
خاص – نبض الشام
يشهد لبنان واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في نوفمبر 2024. فبينما تحاول الدولة اللبنانية تثبيت موقعها الرسمي والنأي بنفسها عن صراعات الإقليم، تتصاعد المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحزب الله، في مشهد يعكس تناقضاً داخلياً حاداً بين قرار الحكومة وخيارات الحزب العسكرية.
هذا التناقض لم يعد سياسياً فحسب، بل بات ميدانياً أيضاً، مع اتساع رقعة الغارات الإسرائيلية وسقوط عشرات الضحايا ونزوح آلاف المدنيين، وسط انقسام واضح حول مفهوم “الدفاع” وحدود “السيادة”.
حظر النشاط العسكري
في خطوة غير مسبوقة، أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن مجلس الوزراء قرر حظر أي نشاط أمني أو عسكري لحزب الله، وحصر دوره في الإطار السياسي. وأكد أن الدولة ترفض استخدام الأراضي اللبنانية منصة لأي عمليات عسكرية، مشدداً على تكليف الأجهزة الأمنية بمنع أي خرق لهذا القرار.
كما حذر الرئيس اللبناني جوزاف عون من أن إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية يهدد الاستقرار الداخلي ويقوّض جهود إبعاد البلاد عن صراعات المنطقة.
هذا الموقف الرسمي يعكس توجهاً واضحاً نحو تثبيت مرجعية الدولة وقرارها السيادي، لكنه في المقابل يضعها في مواجهة مباشرة مع قوة سياسية وعسكرية فاعلة على الأرض.
الحزب يردّ
لم يتأخر رد حزب الله على القرار الحكومي. فقد انتقد مسؤول من حزب الله ما وصفه بـ“القرارات العنترية”، معتبراً أن الحكومة بدلاً من حظر العدوان الإسرائيلي، ذهبت إلى “حظر رفض العدوان”.
وجاء هذا السجال السياسي بعد إعلان الحزب إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل، في أول هجوم منذ اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكداً أن العملية جاءت رداً على الاعتداءات الإسرائيلية واغتيال قيادات من صفوفه.
هنا يتجلى التناقض، الدولة تدعو إلى منع أي عمل عسكري ينطلق من أراضيها، فيما الحزب يعتبر أن الرد حق مشروع وواجب دفاعي.
غارات وتصعيد
الرد الإسرائيلي جاء سريعاً وعنيفاً، عبر حملة قصف جوي طالت الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. وأعلنت إسرائيل استهداف “شخصية بارزة” في الحزب، فيما هزّت انفجارات عدة العاصمة، وتوسعت رقعة النزوح مع تحذيرات بإخلاء عشرات القرى.
النتيجة كانت ارتفاع حصيلة القتلى والجرحى، ونزوح عشرات الآلاف من منازلهم، ما يضع المدنيين مجدداً في قلب معادلة الصراع.
دولة على مفترق طرق
المشهد اللبناني اليوم يكشف معضلة عميقة: هل يملك لبنان قرار الحرب والسلم موحداً؟ وبينما تسعى الحكومة إلى تثبيت مرجعية الدولة ومنع الانزلاق إلى مواجهة إقليمية، يصر حزب الله على الاحتفاظ بخيار الرد العسكري.
في ظل هذا التناقض، يبقى اللبنانيون أمام واقع مأزوم: تصعيد خارجي يضغط على الحدود، وانقسام داخلي يضعف الجبهة الوطنية. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تنجح الدولة في فرض قرارها، أم يبقى لبنان ساحة مفتوحة لصراعات أكبر من حدوده؟
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




