حرب الاستنزاف بدل الصدمة: الحسابات الروسية في الميدان الأوكراني
خاص – نبض الشام
تحوّل في العقيدة القتالية
منذ الأسابيع الأولى للحرب في أوكرانيا، بدا واضحاً أن موسكو تخلّت عن خيار الهجوم الكاسح، واتجهت نحو استراتيجية مختلفة تقوم على التقدم البطيء والمنهجي. هذا التحول لم يكن ارتجالياً، بل جاء نتيجة قراءة ميدانية دقيقة لكلفة المعارك واسعة النطاق، وطبيعة الجبهات المحصّنة، وتوازن القوى القائم.
دروس البدايات
يرى خبراء أنه في المرحلة الأولى من الحرب، حاولت روسيا تنفيذ عمليات هجومية واسعة بأساليب تقليدية، إلا أن النتائج كانت مكلفة بشرياً ولوجستياً. هذه التجربة دفعت القيادة العسكرية إلى مراجعة خياراتها، والانتقال إلى نمط أكثر حذراً وأقل مخاطرة.
منطق الاستنزاف
ووفقاً لمحللون، تعتمد موسكو حالياً على استنزاف القدرات العسكرية واللوجستية الأوكرانية تدريجياً، مع الحفاظ على قواتها ومعداتها. ويمنح هذا الأسلوب القيادة الروسية قدرة أكبر على التحكم بوتيرة القتال، وتجنّب المفاجآت الناتجة عن فتح جبهات واسعة يصعب ضبطها.
المدن المحصّنة
إحدى أهم أسباب تجنّب الهجوم الكاسح تتمثل في طبيعة المدن الأوكرانية، التي جرى تحصين العديد منها منذ عام 2014. اقتحام هذه المدن بشكل مباشر يعني خسائر كبيرة، ما جعل موسكو تفضّل عمليات اختراق محدودة تنفذها وحدات صغيرة ومتخصصة.
البعد السياسي
لا يقتصر خيار القضم البطيء على الحسابات العسكرية فقط، بل يحمل بعداً سياسياً واضحاً، بحسب خبراء، فروسيا تراهن على أن إطالة أمد الحرب ستؤدي إلى إنهاك أوكرانيا وحلفائها الغربيين اقتصادياً وسياسياً، ودفعهم في نهاية المطاف نحو التفاوض.
الأرقام لا تحسم
رغم تقارب حجم الجيشين قبل الحرب، لم يكن العامل العددي هو الحاسم، بل أسلوب القتال. ففي حين تعتمد أوكرانيا على تعبئة مستمرة، اكتفت روسيا بتعبئة جزئية، ما يعكس اختلاف الفلسفة العسكرية لدى الطرفين.
حرب محسوبة لا اندفاع فيها
في المحصلة، تعكس استراتيجية “القضم البطيء” قناعة روسية بأن الحسم لا يتحقق بالصدمة السريعة، بل بإدارة طويلة النفس للصراع. وبينما يبقى هذا النهج أقل كلفة لموسكو، فإنه يرسّخ واقعاً ميدانياً جديداً، قد لا يُحسم سريعاً، لكنه يُدار بدقة وحسابات صارمة.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




