صفقات ترامب لا تصنع استراتيجية: لماذا يفشل نهجه الشرق أوسطي مع الصين
ترجمة – نبض الشام
حقق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نجاحاً لافتاً في وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس بفضل دبلوماسيته الشخصية الصاخبة، لكنه يبدو عاجزاً عن تطبيق المنهج ذاته على الصين. فبينما تُدار أزمات الشرق الأوسط عبر النفوذ المباشر وصفقات القادة، تتطلب المنافسة مع بكين رؤية بعيدة المدى، وتحالفات راسخة، واستراتيجية ثابتة لا توفرها عقلية “فن الصفقة”.
أسلوب الصفقة: فعال في الشرق الأوسط
يعتمد ترامب على دبلوماسية فردية تستفيد من التفوق الأمريكي العسكري والمالي والسياسي في الشرق الأوسط. فمع قادةٍ ذوي نزعة سلطوية مثل نتنياهو والسيسي وأردوغان وبن سلمان، تنجح لغة الضغط والمساومة، ويزدهر المشهد المسرحي الذي يفضّله ترامب _مكالمات عاجلة، تهديدات_ ثم تفاوض يؤدي إلى “صفقة”. وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل كان نموذجاً لهذه المقاربة المبنية على الشخصية لا الاستراتيجية.
الصين ليست الشرق الأوسط
في المقابل، تخوض واشنطن مع الصين منافسة بنيوية بين قوتين عظميين تتبادلان الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي. هنا، لا تكفي الخدع التكتيكية أو التغريدات الانفعالية. فالصين تمتلك القدرة على الرد، سواء عبر التعريفات المضادة أو تقييد صادرات المعادن النادرة الحيوية للصناعات الأمريكية. إنها معركة تتطلب حساباً طويل الأمد، لا أداءً آنياً.
التحالفات لا التهديدات
رغم امتلاك واشنطن نفوذاً اقتصادياً وتكنولوجياً حقيقياً، فإن فعاليته مشروطة بتعاون الحلفاء. تشير الدراسات إلى أن الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي واليابان والهند تمثل أكثر من نصف الاقتصاد العالمي والإنفاق على البحث والتطوير، ما يجعل “إدارة التحالفات” جوهر أي استراتيجية ناجحة تجاه بكين. غير أن سجل ترامب يظهر عكس ذلك تماماً؛ فسياساته العقابية أضعفت الثقة مع أوروبا وكندا، وهددت تحالفات محورية مثل “أوكوس” والناتو، ونفّرت الهند لصالح الصين.
ضعف الداخل يحد من القوة
تواجه أمريكا أيضاً تراجعاً في قدراتها الذاتية. فتمويل الأبحاث تقلّص، والطلاب الأجانب انخفضت أعدادهم بسبب قيود التأشيرات، بينما استُبدلت سياسات دعم الابتكار بسلسلة لا تنتهي من الرسوم الجمركية. وفي ظل هذا التراجع الداخلي، تصبح مواجهة الصين بالتهديدات والمزايدات أقرب إلى مقامرة غير محسوبة.
الهدوء لا الصخب في تايوان
مثال تايوان يوضح ما تفتقده إدارة ترامب: الاتزان الاستراتيجي. على مدى عقود، حافظت واشنطن على توازن حساس مع بكين عبر دعم تايبيه دون استفزازها. هذا الاتساق الدبلوماسي المتأنّي هو ما يضمن الاستقرار — لا دبلوماسية التغريدات ولا الصفقات السريعة.
من “فن الصفقة” إلى هندسة الاستراتيجية
إن النجاح التكتيكي الذي يحققه ترامب في الشرق الأوسط لا يصلح نموذجاً للمنافسة الكبرى مع الصين. فالتاريخ لا تصنعه الصفقات بل الاستراتيجيات، ولا تحسمه الحشود الإعلامية بل صبر الدبلوماسيين. وإذا واصل ترامب التعامل مع بكين بعقلية السوق، فقد تجد أمريكا نفسها تدفع ثمن غياب الهندسة الاستراتيجية في زمن تتحدد فيه موازين القوى لعقود قادمة.




