سلاحهم “الهاتف”: كيف أعاد “جيل زد” تعريف الثورة الحديثة؟
خاص – نبض الشام
لم يعد الغضب حبيس الشاشات. جيل زد، أبناء الإنترنت الذين وُلدوا بين نهاية التسعينيات وبداية الألفية، خرجوا من الفضاء الرقمي إلى الشوارع لفرض معادلات جديدة في السياسة والمجتمع.
ما حدث في مدغشقر مؤخراً، حين اضطر الرئيس أندري راجولينا للفرار بعد انضمام وحدات من الجيش للمحتجين الشباب، ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة انتفاضات شبابية تمتد من آسيا إلى إفريقيا، تُنذر بمرحلة جديدة من التاريخ السياسي العالمي.
جيل ثائر بلا زعيم
يتميّز جيل زد بكونه أول جيل يقود ثورات دون قادة تقليديين. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت “القيادة الجماعية” لهذه الحركات، حيث تُصاغ الشعارات على “تويتر” و”تيك توك” قبل أن تُرفع في الميادين. هذا الجيل لا ينتظر توجيهاً من حزب أو نقابة، بل يتحرك بعفوية منظمة، تتحد فيها المطالب رغم تباعد الجغرافيا.
فما بين مطالب التشغيل في المغرب، ورفض القمع والفساد في نيبال، والاحتجاج على انقطاع الماء والكهرباء في مدغشقر، يظهر أن جوهر الأزمة واحد: فقدان الثقة في الدولة ومؤسساتها.
الثورة المتنقلة
من أبرز سمات حركات جيل زد أنها ثورات عابرة للحدود. فبمجرد اندلاع شرارة في بلدٍ ما، تنتقل عبر الإنترنت إلى بلدان أخرى كالنار في الهشيم. مشهد الشباب الغاضب في كاتماندو يُلهب مشاعر أقرانهم في الدار البيضاء، وصور المتظاهرين في مدغشقر تنتشر في لحظات على آلاف الصفحات العالمية.
لقد تحوّل الفضاء الرقمي إلى مختبر عالمي للثورة، تُتبادل فيه التكتيكات وأساليب الاحتجاج بسرعة البرق، في ظاهرة غير مسبوقة بتاريخ الحركات الاجتماعية.
المعضلة الكبرى
رغم قوتهم التعبوية، يواجه شباب جيل زد معضلة جوهرية: ماذا بعد إسقاط الأنظمة؟
ففي مدغشقر، سقط الرئيس لكن لم يظهر بديل واضح. وفي نيبال، أجبر الشباب الحكومة على التراجع، لكنهم لم يتمكنوا من بناء قيادة قادرة على إدارة البلاد.
الطاقة الثورية الهائلة لجيل زد تصطدم بغياب الرؤية السياسية، إذ يفتقر هذا الجيل إلى البنية التنظيمية والخبرة اللازمة لتحويل الغضب إلى مشروع وطني شامل.
بين الأمل والتحول العاصف
جيل زد ليس جيلًا متمرداً لمجرد التمرد، بل جيل يسعى إلى استعادة حقه في المستقبل. إنه الجيل الذي يرى الفساد والاستبداد عائقين أمام أحلامه، ويؤمن أن التغيير يبدأ من الشارع وينتشر عبر الإنترنت.
ومع أن هذه الثورات قد تُسقط حكومات وتُربك أنظمة، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من الثورة إلى الإصلاح، ومن الهدم إلى البناء.
إنها ثورة القرن الرقمي، يقودها شباب لا يحملون سلاحاً سوى الهاتف، ولا شعاراً سوى: نريد وطناً يليق بأحلامنا.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




