سوريا على حافة الانقسام: تحديات الشرع بين الدبلوماسية والعنف الطائفي
ترجمة_نبض الشام
بعد وصوله المفاجئ إلى السلطة عقب 14 عاماً من الصراع، يواجه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع معركة أخطر تتمثل في الحفاظ على وحدة سوريا وسط تصاعد العنف الطائفي. مجازر في الساحل والسويداء دفعت الأقليات إلى التوجس والتراجع، فيما يحقق الشرع انتصارات دبلوماسية دون أن ينجح في إزالة مخاوف الداخل. بين مطالب الأكراد بضمانات دستورية وغضب العلويين والدروز، يترنح مشروع المصالحة الوطنية بين الأمل والانقسام.
الشرع بين الدبلوماسية والانقسام
على الرغم من وصول الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى السلطة بعد 14 عاماً من الصراع السوري بطريقة غير متوقعة سياسياً وعسكرياً، إلا أنه يواجه اليوم تحدياً أكبر يتمثل في الحفاظ على وحدة البلاد، بعد أن ارتكبت قواته مجازر في الساحل ضد العلويين وفي السويداء ضد الدروز. هذه المجازر دفعت الأقليات الأخرى إلى الحذر والتراجع خشية تكرار السيناريو في مناطقها، وفق تقرير نشرته وكالة رويترز ،أمس الإثنين، والذي أشار إلى أن الشرع حقق انتصارات دبلوماسية بارزة، لكن الخطر الداخلي ما زال قائماً.
غضب الأقليات وتصاعد المخاوف
في تحقيق أجرته رويترز بمناطق العلويين والمسيحيين والدروز، تحدث عشرات السكان وزعماء المجتمعات عن غضبهم من إدارة الشرع ذات التوجه الإسلامي بعد موجات العنف الطائفي التي أعقبت إطاحته بالرئيس بشار الأسد. يقول أبو بلال، وهو أب درزي لثلاثة أبناء يبلغ من العمر 45 عاماً: “كيف نثق بدولة توجه دباباتها ضد شعبها؟ إنهم يدفعوننا نحو التقسيم”، في إشارة إلى الاشتباكات بين القوات الحكومية والميليشيات الدرزية في السويداء في يوليو الماضي.
جهود مصالحة هشة
قال مسؤول سوري رفيع – طلب عدم كشف اسمه – لرويترز إن المصالحة في السويداء يجب أن تبدأ بالسماح للبدو والدروز المهجرين بالعودة إلى منازلهم، وبعملية تبادل للأسرى بين المسلحين السنة والدروز كبداية لإعادة بناء الثقة تدريجياً، مضيفاً: “الشرخ عميق للغاية. سيستغرق إصلاحه سنوات”.
تعهد الشرع بمعاقبة المسؤولين عن الفظائع في السويداء، وأعلنت السلطات السورية في أوائل سبتمبر أنها احتجزت أعضاء من وزارتي الداخلية والدفاع على صلة بعمليات القتل.
تحذيرات الباحثين من فقدان الرصيد السياسي
قال الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أندرو تابلر إن الشرع يخاطر بتبديد رأسماله السياسي إذا لم يتمكن من مصالحة الأقليات الناقمة، محذراً من أن هناك خطراً حقيقياً بألا يتمكن الشرع من إعادة تجميع شتات البلاد: “إما المصالحة أو أن يحكم جزءاً فقط من سوريا. هذا لا يعني أنه سيُطاح به، بل أن سلطته ستقتصر على جزء من البلاد”.
مطالب الأكراد بضمانات دستورية
في شمال شرق سوريا، نقلت رويترز عن مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية قوله إن الولايات المتحدة تريد رؤية سوريا مستقرة وسلمية ومزدهرة، وهو ما يتطلب الوحدة، لكن شكل الحكومة يعود إلى السوريين أنفسهم.
وقال عبد الوهاب خليل، عضو مجلس قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، لرويترز إن القيادة تدعم الاندماج مع الحكومة المركزية “على أساس شراكة حقيقية واعتراف دستوري بجميع مكونات سوريا، فالاندماج العسكري وحده غير كاف”.
ويرى تابلر أن الشرع يحتاج إلى تقديم تنازلات سياسية للأقليات وخاصة الأكراد لإنجاح المصالحة: “إذا كان يريد السيطرة على كل سوريا، فعليه تقديم تنازلات سياسية حقيقية”.
العلويون والمسيحيون بين الخوف والانكفاء
أما عن مجازر الساحل السوري، فتقول رويترز إن الحكومة وعدت بمعاقبة المسؤولين، وخلص تحقيقها الصادر في يوليو إلى أن القادة العسكريين لم يأمروا بمهاجمة المدنيين – وهو استنتاج رفضه قادة المجتمع العلوي. وروى بعض السكان حالات خطف لفتيات علويات على يد مسلحين، فيما دعت منظمة العفو الدولية الحكومة للتحقيق في هذه الجرائم وتقديم الجناة للعدالة، لكن الحكومة السورية قالت إنها لم تجد أي حالات خطف في المناطق الساحلية.
وقال بعض الشبان في القرداحة وجبلة إنهم يتغيبون عن دروس الجامعة لتجنب الحواجز التي يديرها جنود أو ميليشيات موالية للحكومة حيث تنتشر المضايقات والخطف والانتهاكات الطائفية. يقول حسن لحام، صاحب بقالة: “الشباب لا يجرؤون على مغادرة القرية. الاعتقالات والقتل منتشرة. المجتمع العلوي محكوم عليه بالموت”.
المسيحيون بين الحماية والهجرة
بحسب رويترز، نجت المجتمعات المسيحية إلى حد كبير من أسوأ موجات العنف الطائفي. ففي وادي النصارى تمر الدوريات الحكومية لكن نادراً ما تتدخل في الحياة اليومية. غير أن أكثر من 20 مقيماً قالوا لرويترز إنهم يخشون المستقبل في ظل الدولة السورية الجديدة، مؤكدين أنه من دون قدر أكبر من الحكم الذاتي لن يكون أمامهم خيار سوى الهجرة. يقول ميشيل، 27 عاماً، الذي يعمل في مطعم شاورما ويعيل والديه المريضين: “نحن محميون هنا، لكننا لا نستطيع التحرك بحرية. أتمنى أن أغادر سوريا، لكنني لا أستطيع تحمّل تكاليف ذلك. الخوف لا يغادرنا”.
يعكس تقرير رويترز صورة قاتمة لمستقبل سوريا في عهد أحمد الشرع؛ فبينما يحقق الرئيس الانتقالي انتصارات دبلوماسية في الخارج، يواجه داخلياً أزمات عميقة تهدد وحدة البلاد. ومع استمرار العنف الطائفي ومخاوف الأقليات ومطالب الأكراد بالضمانات الدستورية، يبقى مشروع المصالحة الوطنية على المحك، ما قد يحصر سلطة الشرع في جزء من سوريا ويترك الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات التقسيم والانقسام الطويل الأمد.




