ما وراء دعوة حلّ “الإخوان المسلمين” في سوريا: صراع أيديولوجيات أم ترتيبات سياسية؟
خاص – نبض الشام
أثار مقال كتبه المستشار الإعلامي للرئيس السورية، أحمد موفق زيدان، جدلاً واسعاً بعد مطالبته جماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا بحلّ نفسها، معتبراً أن هذه الخطوة ستخدم مصلحة البلاد وتسهم في إشراك كوادرها في العمل الحكومي. وبينما امتنعت الجماعة عن التعليق رسمياً، تباينت ردود الفعل بين من يرى في الدعوة مخرجاً سياسياً لمأزق تاريخي، وبين من يعتبرها محاولة لإقصاء فاعل سياسي واجتماعي راسخ منذ عقود.
الدعوة إلى الحل
في مقاله المنشور على موقع الجزيرة في 22 أغسطس الجاري، أوضح زيدان أن دعوته نابعة من قناعته الشخصية، وليست تعبيراً عن موقفه الوظيفي. وقال إن الفكرة تبلورت بعد “دراسات ونقاشات ومقاربات لتجارب سياسية مشابهة”، معتبراً أن مواكبة العصر وتحدياته أمر حاسم للفاعلين في المشهد السوري.
وأشار زيدان إلى انتمائه في شبابه إلى الجماعة وتأثره بفكر المراقب العام الأسبق عصام العطار، رغم انشقاقه لاحقاً، مؤكداً أن “الإخوان” ما زالوا متمسكين بتنظيمهم وحزبهم. كما دعاهم إلى السير على خطى كيانات سورية أخرى حُلّت ذاتياً، مثل “الائتلاف الوطني لقوى الثورة” و”المجلس الإسلامي السوري”، إضافة إلى بعض الفصائل العسكرية والمجالس المحلية.
غياب الرد الرسمي
امتنعت جماعة “الإخوان المسلمين” عن التعليق الرسمي على دعوة زيدان، بينما جاءت ردود غير مباشرة من قيادات حالية وسابقة.
عضو المكتب السياسي سمير أبو اللبن أكد أن المقال يعبر عن رأي شخصي وليس رسمي، وأن الجماعة لا ترد عادة على مثل هذه الطروحات.
في المقابل، كتب القيادي السابق زهير سالم مقالاً على موقع الجماعة الرسمي بعنوان “عن الإخوان المسلمين وليس باسمهم” في 24 أعسطس، أكد فيه أن الجماعة ليست حزباً سياسياً ولن تكون كذلك، بل هي “حركة مجتمع” ذات طابع ديني دعوي تسعى لإحداث تغيير اجتماعي شامل.
مواقف مؤيدة للجماعة
على منصة الجزيرة، نشر المحلل السياسي ياسر سعد الدين، المقرب من الجماعة، مقالاً في 28 أغسطس ردّ فيه على زيدان بشكل مباشر. اعتبر سعد الدين أن دعوة الحل يمكن أن تُستخدم ذريعة لتبرير إقصاء فاعلين سياسيين أساسيين، معتبراً أن سوريا “بحاجة إلى جميع القوى الإسلامية والوطنية” لبناء دولة ديمقراطية تسمح بحرية التعبير وتشكيل الأحزاب.
وحذر سعد الدين من أن استمرار النهج الإقصائي يفاقم “تصحر العمل السياسي” في سوريا، مؤكداً أن احتكار السلطة من دون مساءلة أو محاسبة كان أحد أسباب الإخفاقات الحالية.
زيدان يبرر موقفه
برر زيدان دعوته بالقول إن “تنظيماً يستخدم أدوات تفكير قديمة لا يمكنه مواجهة تعقيدات الواقع السياسي المعاصر”، مشيراً إلى أن الجماعة تصطدم ببيئة إقليمية ودولية “مليئة بالعواصف” تستهدف استئصالها.
واستشهد بتجارب فروع “الإخوان” في دول عربية أخرى، حيث اختارت بعض التنظيمات حلّ نفسها والتحول إلى أحزاب سياسية، مثل حزب “العدالة والتنمية” المغربي، معتبراً أن هذه التجارب كانت أكثر نجاحاً من البقاء في حالة “الجمود التاريخي” التي وصفها بـ”السياسة الديناصورية”.
تحليلات وخيارات صعبة
يرى الباحث في شؤون الحركات الإسلامية عبد الرحمن الحاج أن التنظيم يفضل الاستمرار في الوقت الحالي لاعتبارات إقليمية، إذ يُعتقد أن دعوة الحل مرتبطة بضغوط دولية وإقليمية تقودها دول الثورات المضادة. لكنه أشار إلى أن الجماعة، على المدى البعيد، قد تجد أن خيارها الأمثل هو الحل الذاتي إذا أرادت المشاركة الفاعلة في المرحلة الانتقالية.
ويرى الحاج أن دعوة زيدان يمكن قراءتها كجزء من مسار تسويات إقليمية تهدف إلى “تصفير المشكلات” وإيجاد دور جديد لكوادر الجماعة داخل مؤسسات الدولة السورية.
أزمة عمرية وهيكلية
كشف زيدان عن فجوة عمرية عميقة داخل الجماعة، إذ إن معظم أعضائها الحاليين في الستينيات من العمر، نتيجة حرمانهم من العمل السياسي طوال عقود بسبب ملاحقة النظام السوري السابق. واعتبر أن تمسك الجماعة بتنظيمها أفقد الدولة السورية “طاقات وخبرات كبيرة” كان يمكن الاستفادة منها في إعادة البناء.
جذور تاريخية
تعود نشأة “الإخوان المسلمين” في سوريا إلى عام 1945 على يد الداعية مصطفى السباعي، كفرع من التنظيم الأم الذي أسسه حسن البنا في مصر عام 1928. عانت الجماعة من صدامات دامية مع النظام السوري، خصوصاً في عهد الرئيس الأسبق حافظ الأسد، الذي ارتكب مجازر بحقها في “أحداث الثمانينيات” في حماة وحلب.
ويرى زيدان أن غياب الجماعة عن الداخل السوري لنحو نصف قرن أضعف حضورها وأدى إلى “تآكلها”، في ظل ما وصفه بـ”فيروس البعث” الذي أسهم في “مشيطنة الإخوان” لدى شريحة واسعة من السوريين.
الموقف من العهد الجديد
أصدرت الجماعة بياناً عقب اجتماع مجلس شوراها في 7 أغسطس الجاري، أكدت فيه دعمها “العهد الجديد” في سوريا، مشددةً على بناء دولة مدنية حديثة ذات مرجعية إسلامية، تقوم على المواطنة الكاملة والتعددية السياسية، وترفض أي تسويات تُبقي على الانقسامات أو تمهد لتقسيم البلاد.
لكن زيدان اعتبر أن استمرار الجماعة في التعبير عن مواقف توحي بعدم رضاها عن مسار الأحداث “يبقيها تغرد خارج السرب” ويزيد الفجوة مع الشارع الداعم للحكومة.
تعكس دعوة زيدان لحل جماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا مرحلة حساسة من التحولات السياسية الداخلية والإقليمية، حيث تتقاطع اعتبارات بناء الدولة مع ضغوط الأطراف الدولية والإقليمية. وبين تمسك الجماعة بتنظيمها وخياراتها التقليدية، وتنامي الدعوات إلى اندماجها في العملية السياسية عبر هياكل جديدة، يبقى مستقبلها مرهونًا بمدى قدرتها على التكيف مع متغيرات المشهد السوري وتعقيداته.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




