لماذا يحق لـ “سوريا الشرع” التحدث مع إسرائيل؟
ترجمة – نبض الشام
تدخل سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع مرحلة سياسية جديدة عنوانها البراغماتية والانفتاح بعد طرد إيران وحزب الله من أراضيها. فبينما تسعى دمشق لإعادة تموضعها إقليمياً ودولياً، تكشف تقارير عن محادثات أمنية غير مسبوقة مع إسرائيل برعاية أمريكية وخليجية. هذه التحركات تحمل انعكاسات استراتيجية عميقة على المنطقة، من لبنان إلى غزة، وسط تراجع النفوذ الإيراني.
مرحلة سياسية جديدة في دمشق
بعد طرد إيران وميليشيا حزب الله من سوريا، تدخل القيادة الجديدة في دمشق مرحلة نوعية مختلفة تماماً في علاقاتها مع جيرانها (ولا سيما إسرائيل) إذ تسعى البلاد إلى إعادة تموضعها إقليمياً ودولياً. ورغم أن المشهد السياسي الداخلي في سوريا لا يزال بعيداً عن الاستقرار، فإن التطورات على حدودها تحمل دلالات عميقة لتركيا والعالم العربي، وقد تُحدث ارتدادات أوسع على المستويين الإقليمي والدولي.
كانت سوريا، في عهد الرئيس السابق بشار الأسد، حجر الأساس في طموحات طهران الأيديولوجية وهيمنتها الإقليمية. أما اليوم، ومع وجود قيادة جديدة في دمشق، وبرعاية أمريكية ودعم خليجي عربي، فإن البلاد ترسم مساراً جديداً مع جيرانها.
محادثات أمنية بين سوريا وإسرائيل
تشير تقارير حديثة إلى أن سوريا وإسرائيل قد توقعان اتفاقاً أمنياً برعاية أمريكية في 25 سبتمبر، وذلك عقب خطاب سيلقيه الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع أمام الأمم المتحدة في نيويورك الشهر المقبل. ويقال إن الاتفاق لن يهدف إلى تحقيق سلام شامل، بل إلى خفض حدة التوتر بين البلدين.
وقد نفت وزارة الخارجية السورية، منذ ذلك الحين، أن تكون دمشق ستوقع اتفاقاً أمنياً مع إسرائيل. لكن وفقاً لوكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، التقى وزير الخارجية أسعد الشيباني بوفد إسرائيلي يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة “خفض التصعيد، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية، والتوصل إلى تفاهمات لدعم الاستقرار الإقليمي، ومراقبة وقف إطلاق النار في محافظة السويداء”.
تأتي هذه المباحثات ضمن سلسلة لقاءات جرت مؤخراً في كلٍّ من باكو وباريس، ويُقال إنها أسفرت عن الاتفاق على نحو 80٪ من النقاط المطروحة للنقاش، مع موافقة الطرفين على مواصلة المفاوضات. ورغم وصفها بأنها محادثات “أمنية”، فإن طبيعتها سياسية غير مسبوقة.
خلال مفاوضات سابقة بين وزير الخارجية الأسبق وليد المعلم ونظرائه الإسرائيليين، أُحرِز تقدم كبير نحو تسوية الصراع، لكنها انهارت في النهاية بسبب خلاف حول السيطرة على بحيرة طبريا – المعروفة أيضاً ببحر الجليل – وهي منطقة مائية استراتيجية تعاني حالياً من الجفاف.
أن تشعر دمشق اليوم بالثقة الكافية للدخول في حوار مع إسرائيل – على الرغم من الحملة العسكرية الإسرائيلية المستمرة في غزة – يشير إلى أن القيادة الجديدة تركز على أولويات سوريا الداخلية بدلاً من السعي وراء قيادة إقليمية، كما كان الحال في السابق.
ومع ذلك، لم تتمكن حكومة الشرع بعد من فرض سيطرة كاملة داخلياً، ولا تزال المخاوف قائمة من احتمال تمكن الجماعات المتطرفة من اجتياح البلاد وتمزيق نسيجها الاجتماعي الهش. وقد أكد الرئيس السوري الجديد رفضه تقسيم البلاد، مشدداً على أن “إعادة توحيد سوريا بعد سنوات الحرب لا يجب أن يأتي عبر إراقة الدماء أو القوة العسكرية”. لكن هذه التصريحات بحاجة إلى إجراءات تطمينية، خاصة بعد اتهاماته لبعض الجماعات السورية بـ”السعي وراء النفوذ عبر قوى إقليمية، سواء إسرائيل أو غيرها”.
آلية التفاهم التي يتحدث عنها الشرع يجب أن تكون حقيقية وحازمة في مواجهة أولئك الذين يدّعون تأييده بينما يسعون في الواقع إلى تقويض جهوده.
وساطة أمريكية وخليجية فاعلة
لعب توم باراك، السفير الأمريكي في تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، دوراً مباشراً في دفع دمشق وتل أبيب إلى معالجة التوترات الطائفية في السويداء وتعزيز الاستقرار الإقليمي. وقد طلب باراك من الشيباني توضيحات بشأن انتهاكات موثقة ضد الطائفة الدرزية في المحافظة الجنوبية، فيما ساهمت اجتماعات باريس في دفع التفاهمات قدماً نحو تثبيت وقف إطلاق النار ومراقبته.
تهدف الوساطة الأمريكية، بشكل واضح، إلى فتح فصل جديد بين سوريا وإسرائيل، يهيئ الطريق لاتفاق سلام في المستقبل، لكن دون استعجال. ويبدو أن باراك ملتزم بتوجيه مسار السلام السوري بالتنسيق مع تركيا ودول الخليج، وهو أمر أساسي لإبقاء سوريا ضمن الصف العربي وضمان جذب الاستثمارات الاقتصادية إليها.
كما يسعى باراك إلى مساعدة سوريا على حل نزاعاتها الحدودية مع إسرائيل ولبنان عبر ترسيم الحدود وإقامة علاقة جديدة نوعية، بعيدة عن الحقبة التي كانت فيها دمشق تهيمن سياسياً وعسكرياً على بيروت في عهد الأسد.
إن شعور دمشق بالثقة في الدخول بمحادثات مع إسرائيل يؤكد أن القيادة الجديدة تعتمد نهجاً براغماتياً يركز على مصالح سوريا الوطنية.
وتتفق إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع قوى عربية رئيسية على الترحيب بتراجع النفوذ الإيراني في المشرق، حيث تُعتبر سوريا حجر الزاوية في استراتيجيتهم المشتركة لاحتواء إيران. وسيسهم تأمين الحدود السورية مع جيرانها في الحد من تهريب المخدرات وانتشار الإرهاب في المنطقة.
لبنان بين التطبيع ونزع سلاح حزب الله
أما لبنان، فيتحرك باتجاه تطبيع العلاقات مع سوريا وربما حتى مع إسرائيل، إذا نجحت الجهود الأمريكية في إقناع تل أبيب بالرد على قرار بيروت الأخير بنزع سلاح حزب الله. ومع ذلك، يتوجب على إسرائيل سحب قواتها من لبنان، وعلى حزب الله أن يدرك أن إصراره على الاحتفاظ بسلاحه قد ينسف أي فرصة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات لبنانية خمس، فضلاً عن أنه قد يفتح الباب أمام عمليات عسكرية جديدة ضده.
كما أن افتراض حزب الله قدرته على إفشال الاتفاقات التي تسعى دمشق وبيروت لإبرامها خاطئ، إذ لم يعد الحزب يمتلك ذات النفوذ في أي من البلدين.
دمشق بين استعادة الأراضي والحفاظ على السيادة
ورغم أن النظام السابق خاض مفاوضات مع إسرائيل، فإن اتهامات الخيانة ستُوجَّه بلا شك إلى حكومة الشرع بسبب انخراطها في محادثات مع تل أبيب، بينما تواصل الأخيرة ارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين وتسعى لإعادة احتلال غزة وضم الضفة الغربية. لكن لا ينبغي اعتبار استعادة سوريا لأراضيها من الاحتلال الإسرائيلي خيانة.
فهناك فرق جوهري بين تطبيع الحدود بين الدول، كما تسعى سوريا اليوم مع إسرائيل، وبين تطبيع العلاقات مع حكومة إسرائيلية متمسكة بفكرة “إسرائيل الكبرى”. فالحكومة السورية الجديدة لا تدّعي قيادة القضية الفلسطينية، بخلاف النظام السابق الذي كان يدعم فصائل فلسطينية متناحرة لكنه في الواقع استغل معاناتهم لتحقيق مصالحه الخاصة.
تفتح المفاوضات السورية – الإسرائيلية الباب أمام تحولات استراتيجية كبرى في المنطقة، لكنها تواجه تحديات معقدة، من ملف حزب الله إلى الاحتلال الإسرائيلي مروراً بالخلافات الداخلية السورية. ومع ذلك، فإن اعتماد القيادة الجديدة في دمشق نهجاً براغماتياً يركز على المصالح الوطنية قد يغير قواعد اللعبة في المشرق العربي ويعيد رسم خريطته السياسية.




