خارج الصندوقخفايا وكواليسنبض الساعةهيدلاينز

أرشفة العقوبات السوري: تحديث إداري أم تحوّل سياسي عميق؟

خاص – نبض الشام

في خطوة مفاجئة وغير معلنة رسمياً، قام مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (OFAC) بإدراج سوريا ضمن قائمة برامج العقوبات المؤرشفة وغير النشطة، ما أثار موجة تساؤلات حول دلالات هذه الخطوة وانعكاساتها السياسية والاقتصادية. وبينما تؤكد واشنطن أن القرار ذو طابع إداري وتقني، حملت التطورات اللاحقة إشارات إلى تغيّر جزئي في السياسة الأميركية تجاه دمشق، خصوصاً بعد توقيع قرار رئاسي يسمح بتخفيف بعض القيود وفتح المجال أمام التعاملات الاقتصادية مع الحكومة السورية الجديدة.

أرشفة غير معلنة
في خطوة غير متوقعة، أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأميركية، سوريا ضمن قسم “البرامج غير النشطة والمؤرشفة” على موقعه الرسمي. وعلى الرغم من غياب أي إعلان رسمي من البيت الأبيض أو وزارة الخزانة حتى الآن، فإن هذه الخطوة أثارت تساؤلات حول خلفياتها وأبعادها السياسية والاقتصادية، خاصة أن إزالة دولة من قوائم العقوبات عادة ما يُعلن عنها ببيانات واضحة وموسعة.

ويرجح مراقبون أن هذا الغياب المتعمد للإعلان قد يهدف إلى اختبار ردود الفعل الدولية أو انتظار خطوات إضافية من الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لتعزيز الاستقرار الأمني والسياسي.

إجراء تقني وليس سياسي
أكد مستشار المركز العربي للدراسات والبحوث، أبو بكر الديب، أن أرشفة بعض برامج العقوبات لا تعني إطلاقاً رفع العقوبات أو إلغائها، بل هي خطوة إدارية وتقنية تهدف إلى تحديث الهيكل القانوني الذي تستند إليه وزارة الخزانة في فرض القيود.

وأوضح أن بعض الأطر القانونية القديمة استُبدلت بأوامر تنفيذية وتشريعات أحدث، أو جرى دمجها في برامج أكثر شمولًا، ما جعلها في حكم غير النشطة حاليًا.

وبالرغم من ذلك، شدد الديب على أن هذه الأرشفة لا تعكس أي تحول سياسي في الموقف الأميركي تجاه دمشق، حيث تبقى العقوبات الجوهرية، وعلى رأسها تلك المفروضة بموجب قانون قيصر، سارية المفعول بشكل كامل، إلى جانب أوامر تنفيذية فاعلة أخرى تستهدف أفراداً وكيانات مرتبطة بالنظام السابق.

الفرق بين الأرشفة ورفع العقوبات
يوضح الخبراء أن هناك فارقاً جوهرياً بين أرشفة برنامج عقوبات وبين إلغاء العقوبات نفسها. فالأرشفة لا تعني إزالة أسماء الأشخاص أو الكيانات المدرجة على القوائم السوداء، ولا ترفع القيود المالية أو التجارية المفروضة عليهم.

وبحسب الديب، فإن الأرشفة تشير فقط إلى أن الإطار القانوني القديم لم يعد مُعتمداً، بينما تبقى العقوبات التي فُرضت بموجبه سارية حتى صدور قرار منفصل من الخزانة الأميركية بإزالة الكيانات أو الأفراد من القوائم.

ويعكس هذا التوجه رغبة وزارة الخزانة في إعادة ترتيب بيتها القانوني الداخلي، وليس اتخاذ موقف جديد من الملف السوري، إذ ما زالت الإدارة الأميركية تعتبر النظام السابق مسؤولاً عن انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان واستمرار الصراع، ما يجعلها متمسكة بسياسة الضغط الاقتصادي كأداة أساسية.

لا انفراجة اقتصادية
رغم حالة الجدل، يؤكد خبراء الاقتصاد أن ما جرى لا يمثل انفراجة حقيقية للاقتصاد السوري، إذ إن المصارف والشركات الدولية ستواصل التعامل بحذر شديد مع السوق السورية طالما بقيت القوانين الرئيسية، مثل قانون قيصر، قائمة وفاعلة.

ويرى الديب أن التغيرات الأخيرة ذات طابع داخلي وإجرائي بحت، مشدداً على أن أي انفراج اقتصادي يتطلب قراراً سياسياً واضحاً من الإدارة الأميركية أو الكونغرس برفع العقوبات، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

تحولات مفصلية: رفع تجميد المؤسسات المالية
لكن المفاجأة الأبرز جاءت لاحقاً، إذ أظهر الموقع الرسمي لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية أن جميع المؤسسات المالية السورية، بما فيها البنك المركزي، قد تم رفع تجميدها من قوائم الاستهداف. وأصبح مسموحاً للمؤسسات والشركات الأميركية إجراء تعاملات مالية وتجارية مع سوريا دون الحاجة إلى تراخيص مسبقة، ما لم تكن الأطراف المعنية مدرجة في قائمة الأشخاص المحظورين (SDN).

وجاء هذا التطور بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 30 يونيو 2025، أمراً تنفيذياً يقضي برفع العقوبات المفروضة على سوريا دعماً للحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع.

وبموجب القرار، تم شطب 518 اسماً من قوائم العقوبات، مقابل إدراج 139 اسماً جديداً، معظمهم من الشخصيات والجهات المرتبطة بالنظام السابق، خاصة المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان أو المتعاونة مع إيران والتنظيمات الإرهابية.

رخصة عامة للاستثمار والانفتاح
كما أصدر مكتب OFAC الرخصة العامة رقم 25، التي تسمح بتنفيذ عمليات اقتصادية كانت محظورة سابقاً، وتشمل:
الاستثمار المباشر في سوريا.
تقديم الخدمات المالية.
التعامل مع المنتجات النفطية ذات المنشأ السوري.
التعاون مع الحكومة السورية الجديدة وبعض الأفراد الذين كانوا مشمولين بالعقوبات.

هذه الرخصة تمثل فتحاً جزئياً أمام سوريا للعودة إلى النظام المالي العالمي، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وإعادة بناء البنية التحتية والقطاع المالي. كما يُتوقع أن يسهم القرار في تحسين قيمة الليرة السورية وزيادة فرص التجارة الخارجية، خصوصاً مع الدول العربية والغربية التي كانت تتجنب التعامل مع دمشق بسبب القيود السابقة.

قيود صارمة باقية
ورغم هذا الانفتاح الجزئي، أكدت وزارة الخزانة الأمريكية أن العقوبات ستظل قائمة على:
الكيانات والأشخاص المرتبطين بالإرهاب.
شبكات تجارة المخدرات.
الجهات المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان.
الدول الداعمة للنظام السابق، مثل روسيا وإيران وكوريا الشمالية.

كما شددت الوزارة على أن التحقيقات المتعلقة بانتهاكات العقوبات السابقة لشهر يوليو 2025 ستستمر، ما يعكس حرص واشنطن على منع استفادة رموز النظام السابق من الانفتاح المالي الحالي.

رغم ما تحمله خطوة أرشفة برامج العقوبات من رسائل سياسية ضمنية، فإنها لا تعني رفع القيود بشكل كامل ولا تشكل تحولاً جذرياً في موقف واشنطن من دمشق. فالانفتاح الجزئي جاء مشروطاً بدعم الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، مع إبقاء الضغط على النظام السابق وحلفائه الإقليميين. وبين البعد التقني للأرشفة والأثر العملي لرفع بعض القيود، تقف سوريا أمام مرحلة دقيقة قد تحمل فرصاً اقتصادية كبيرة، لكنها تظل مرهونة بحسابات سياسية أميركية معقدة.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى