ترجمات نبضتقاريرنبض الساعةهيدلاينز

حين تنطق القصائد بالاقتصاد: الشعر العربي يكشف أسرار تاريخ الخليج

ترجمة – نبض الشام

في ظل شح السجلات الاقتصادية الدقيقة عن تاريخ شبه الجزيرة العربية قبل القرن العشرين، تبرز فكرة مبتكرة تقلب الموازين: ماذا لو كان الشعر العربي هو المفتاح لفهم ماضينا الاقتصادي؟ دراسة حديثة تقترح أن الفنون، وخاصة الشعر، يمكن أن تكشف عن الحالة الاجتماعية والاقتصادية للشعوب عبر العصور. وبما أن الشعر لطالما كان جزءاً أصيلاً من الثقافة العربية، فقد يكون وسيلة فريدة لسد الفجوات التاريخية في منطقتنا.

فجوة في البيانات التاريخية
الحصول على بيانات اجتماعية واقتصادية دقيقة تعود إلى ما قبل القرن التاسع عشر هو مهمة شاقة في أي بلد. وهذا صحيح بشكل خاص في شبه الجزيرة العربية، حيث إن توفر السجلات التاريخية الدقيقة محدود للغاية.

ومع ذلك، تشير أبحاث اقتصادية جديدة ومبتكرة إلى أن دراسة الشعر العربي عبر العصور يمكن أن توفر رؤى موثوقة حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في الماضي.

تعتمد الإحصاءات الاقتصادية الحديثة، مثل الناتج المحلي الإجمالي، وتضخم أسعار المستهلك، وإنتاجية العمل، على أساليب متقدمة. ويتطلب جمع مثل هذه البيانات موارد مالية كبيرة وإحصائيين ذوي تدريب عالٍ. ولهذا السبب، كلما عدنا إلى الوراء في الزمن، تراجعت جودة البيانات، خصوًصا في الفترات التي سبقت نهاية الحرب العالمية الثانية.

حلول بديلة… ولكن محدودة
وقد طور مختصو البيانات العديد من الحلول البديلة لإنتاج تقديرات لسلاسل الاقتصاد الكلي تعود إلى العصور الوسطى، لكن التغطية تبقى محدودة، ومصداقيتها بطبيعة الحال ضعيفة. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك استخدام طول المجندين العسكريين للاستدلال على مستويات المعيشة خلال بدايات الثورة الصناعية، حين كانت بيانات الإنتاج غير مكتملة بشكل لا يسمح بتقدير موثوق للدخل القومي.

في العالم العربي، لا سيما في المناطق الصحراوية التي سكنها البدو، فإن التحديات المرتبطة بالحصول على تقديرات دقيقة لسلاسل زمنية اقتصادية تاريخية تزداد حدة. فبجانب محدودية البنية التحتية لتوثيق الكتابة، كانت قسوة المناخ تمثل تهديداً دائماً لسلامة السجلات، حيث تلاشت العديد من الوثائق ببساطة بفعل الحرارة الشديدة والجفاف. والنتيجة هي وجود فجوات كبيرة في معرفتنا بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية قبل القرن العشرين.

لوحات فنية تُفصح عن الاقتصاد
وقد اقترح بحث نُشر مؤخراً للدكتور كليمان غورين من جامعة السوربون وزملائه، مقاربة جديدة تقوم على الفن وتمنح المؤرخين سبباًً حقيقيا للتفاؤل.

جمع المؤلفون وسائط بصرية (لوحات فنية) من الاقتصادات الأوروبية الكبرى ابتداءً من عام 1400، وطوروا خوارزمية ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل المشاعر التي تعبّر عنها الشخصيات المرسومة في الأعمال الفنية. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما كانت أعمال الانطباعي الفرنسي في القرن التاسع عشر، بيير-أوغست رينوار، تتضمن أفراداً من البرجوازية يبدون سعداء أو راضين، بينما كانت لوحات القرن السادس عشر لرسام القرن السادس عشر الفلمنكي، بيتر برويغل الأكبر، غالباً ما تصوّر الفلاحين وهم يحملون تعبيرات وجه تدل على التعب أو المعاناة.

تكمن جدة النهج الذي استخدمه الدكتور غورين وزملاؤه في أنهم جمعوا بين هذا التحليل الشعوري البصري وبين بيانات حول محطات اجتماعية واقتصادية معروفة في التاريخ الأوروبي، مثل فترات الازدهار الشديد أو الكساد الحاد.

ووجدوا أن المشاعر التي تنقلها الشخصيات المصورة في اللوحات كانت مترابطة بقوة مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة؛ إذ ارتبطت المشاعر الإيجابية بفترات الازدهار، والرضا بالاستقرار، والخوف بالاضطراب، وهكذا.

الشعر العربي بديلاً عن اللوحات
إن دراسة الشعر العربي يمكن أن توفر رؤى موثوقة حول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في الماضي.
لا يملك العالم العربي نظيراً محلياً لما يزيد عن 600,000 لوحة أوروبية قام الدكتور غورين وزملاؤه بتحليلها، ما يعني أن إعادة تطبيق النموذج بمنظور عربي غير ممكن بهذه الطريقة.

ومع ذلك، إذا ما افترض الباحثون العرب (وهو افتراض معقول) أن ما توصل إليه غورين وزملاؤه بخصوص الوسائط البصرية يمكن أن ينطبق أيضاً على أشكال أخرى من الفنون، فإن بديلاً يبرز إلى السطح: الشعر، الذي يُعتبر غالباً أكثر أشكال الفن تفضيلاً في المجتمعات العربية، سواء في الحاضر أو في الماضي.

تقاليد شفوية… وذاكرة حية
علاوة على ذلك، فإن التقاليد الشفوية قوية بشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط، ما أتاح الحفاظ على قدر كبير مما لم يُسجل كتابة من خلال قيام الأجيال المتعاقبة بحفظ القصائد عن ظهر قلب.

الذكاء الاصطناعي يقرأ القصائد
وعليه، يمكن للمؤرخين الاقتصاديين العرب الطموحين أن ينشئوا قواعد بيانات تضم الشعر العربي عبر العصور، ويطبقوا عليها حزمة الخوارزميات المعتادة الخاصة بالذكاء الاصطناعي والمصممة للكشف عن المشاعر المضمّنة في النصوص.

ووفقاً لمنطق دراسة غورين وزملائه، يمكن للبيانات الناتجة أن تُستخدم كمؤشرات تقريبية على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في شبه الجزيرة العربية قبل القرن العشرين، وهي الفترة التي تندر فيها السجلات التقليدية على وجه الخصوص.

أكثر من مجرد تمرين أكاديمي
وتتجاوز قيمة مثل هذا التمرين حدود التحفيز الفكري: فهُوية الفرد العربي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتجارب أسلافه. وتقديم رؤى جديدة حول كيفية عيش أجدادنا، بما في ذلك متى وقعت فترات الازدهار والانحدار، وما الذي قد يكون سببها، يمنحنا ثقة أكبر في من نحن اليوم.

صوت الأجداد في أبيات الشعر
ومن خلال فك رموز التيارات الشعورية والموضوعية في الشعر العربي التاريخي، قد نتمكن من كشف سرد اقتصادي واجتماعي طالما ظل محجوباً ،سرد لم يُحفظ في دفاتر الحسابات أو سجلات التعداد، بل في الأبيات والأصوات.

المصدر
thenationalnews

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى