من التحية النازية إلى طرد اليهود.. ما الذي يحدث داخل حملة لوبان؟

واجه حزب «التجمع الوطني» الفرنسي موجة جديدة من الجدل خلال مؤتمر انتخابي في مدينة أورليان، بعدما أُخرج أربعة ناشطين من اتحاد الطلاب اليهود في فرنسا بالقوة من القاعة، إثر احتجاجهم على ما وصفوه بالعنصرية ومعاداة السامية داخل الحزب، بالتزامن مع انتشار تسجيل مصور يظهر شخصًا يؤدي حركة بدت شبيهة بالتحية النازية.
وتأتي الواقعة في وقت تسعى فيه مارين لوبان إلى توسيع قاعدتها الانتخابية وتقديم نفسها بوصفها مرشحة قادرة على تجاوز الانقسامات السياسية، في مسعى للتخلص من الصورة المرتبطة بتاريخ حزبها ومواقفه السابقة، والتي لا تزال تمثل أحد أبرز التحديات أمام طموحاتها الرئاسية.
احتجاج داخل المؤتمر ينتهي بإخراج الناشطين
بدأت المواجهة خلال كلمة جوردان بارديلا، الذي أعيد انتخابه رئيسًا للحزب بنسبة 98.98% من الأصوات. وقاطع أربعة ناشطين من اتحاد الطلاب اليهود في فرنسا، بينهم رجلان وامرأتان، الكلمة رافعين لافتة تتهم الحزب بالتسامح مع العنصرية ومعاداة السامية.
وجاء على اللافتة: «إعادة انتخاب بارديلا: العنصرية ومعاداة السامية لا تزعجان التجمع الوطني، بل على العكس».
وأثار التحرك غضب عدد من المشاركين، الذين طالبوا بإخراج المحتجين، قبل تدخل عناصر الأمن وإبعادهم بالقوة عن القاعة.
وقال اتحاد الطلاب اليهود إن ناشطيه تعرضوا للاعتداء والخنق أثناء إخراجهم، معلنًا عزمه تقديم شكوى إلى الشرطة. وأفادت تقارير محلية بأن أحد الناشطين أصيب بنزيف في الأنف.
وتوقف بارديلا عن إلقاء كلمته على وقع الفوضى، داعيًا الحاضرين إلى الهدوء. وقال إن عليهم عدم منح ما وصفه بـ«اليسار المتطرف» فرصة للاستفادة من المشهد، متهمًا هذا التيار بتهديد الديمقراطية، قبل أن يدعو المشاركين إلى ترديد النشيد الوطني الفرنسي «لا مارسييز».
ولاحقًا، اتهم بارديلا المحتجين بمحاولة تعطيل المؤتمر، في حين أثارت طريقة إخراجهم انتقادات وتساؤلات بشأن تعامل الحزب مع الاحتجاجات التي تستهدف مواقفه من العنصرية ومعاداة السامية.
تسجيل مصور يفتح بابًا جديدًا للجدل
لم تتوقف تداعيات الواقعة عند إخراج الناشطين، إذ أثار تسجيل بثته شبكة التلفزيون البرلمانية الفرنسية جدلًا إضافيًا، بعدما أظهر شخصًا بين الحاضرين يرفع ذراعه في حركة بدت شبيهة بالتحية النازية، بينما كانت عناصر الأمن تُخرج المحتجين من القاعة.
ويُظهر التسجيل امرأة تقف إلى جوار الشخص وهي تخفض ذراعه، فيما لم تُحسم علنًا هوية الشخص أو ملابسات الحركة التي ظهرت في المقطع.
وردّ «التجمع الوطني» بالقول إنه يدين أي تحية نازية بصورة كاملة، مؤكدًا أن الشخص المعني، إذا ثبت أنه أدى هذه الحركة وكان عضوًا في الحزب، سيواجه إجراءات تأديبية.
ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة حساسية ملف التطرف داخل الحزب، الذي تأسس باسم «الجبهة الوطنية» على يد جان ماري لوبان، والد مارين لوبان، وظل لسنوات مرتبطًا بخطاب اليمين المتطرف ومواقف أثارت اتهامات بالعنصرية ومعاداة السامية.
وعملت مارين لوبان منذ توليها قيادة الحزب على تغيير صورته وتخفيف بعض مواقفه وخطابه، في مسار عُرف بمحاولة «تطبيع» الحزب سياسيًا، لكن الوقائع المثيرة للجدل داخل صفوفه لا تزال تعيد فتح النقاش حول مدى نجاح هذه المساعي.
اتهامات سابقة تزيد الضغط على بارديلا
تزامنت أحداث المؤتمر مع تقارير إعلامية أعادت طرح كتابات قديمة نُسبت إلى بارديلا وتعود إلى عام 2013، ووصفت بأنها معادية للسامية. وينفي رئيس «التجمع الوطني» هذه الاتهامات.
وتضع هذه التقارير قيادة الحزب أمام تحدٍ إضافي، في وقت تحاول فيه التأكيد أن مواقفها الحالية تتعارض مع العنصرية ومعاداة السامية، وأنها تسعى إلى استقطاب ناخبين يتجاوزون القاعدة التقليدية لليمين الفرنسي.
ومع ذلك، فإن الاتهامات المتداولة بشأن كتابات قديمة، إلى جانب التسجيل المصور من المؤتمر، تبقى ملفات منفصلة من حيث الوقائع والأدلة، ولا يكفي تزامنها وحده لإثبات مسؤولية قيادة الحزب عنها.
لوبان تسعى إلى تجاوز الانقسامات السياسية
في كلمتها خلال المؤتمر، حاولت لوبان التركيز على برنامجها السياسي وتقديم نفسها بوصفها مرشحة قادرة على توحيد الفرنسيين، بدل الاكتفاء باستقطاب الناخبين المنتمين إلى اليمين.
وتعهدت برفع أجور العاملين، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي، وتقديم إعفاءات ضريبية للشركات، بالتوازي مع تبني سياسة متشددة تجاه أعمال الشغب ومخالفة القانون.
وتساءلت عن مدى احترام سيادة القانون في ظل تخريب المباني وإحراقها خلال الاحتجاجات، في خطاب يربط بين الأمن والاستقرار من جهة، والقدرة على معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى.
كما أعلنت عزمها التنحي عن رئاسة الكتلة البرلمانية للحزب، وتشكيل حكومة وحدة وطنية في حال وصولها إلى السلطة، على أن يتولى بارديلا رئاسة الوزراء.
وقالت لوبان إنها لا تنتمي إلى اليمين أو اليسار، في محاولة لتقديم مشروعها بوصفه بديلًا عن الاصطفافات التقليدية. غير أن الأحداث التي شهدها المؤتمر وضعت هذه الرسالة أمام اختبار مبكر، إذ أعادت الاهتمام إلى هوية الحزب وسلوكه الداخلي، بدل أن ينحصر النقاش في البرنامج الذي تسعى المرشحة إلى الترويج له.
تحديات انتخابية وقضائية
تأتي هذه التطورات في ظل منافسة سياسية لا تزال مفتوحة، مع استمرار الجدل حول فرص لوبان في الوصول إلى الرئاسة للمرة الأولى، بعدما خسرت أمام إيمانويل ماكرون في الجولتين الثانية من انتخابات عامي 2017 و2022.
وتواجه لوبان أيضًا تداعيات قضية تتعلق بالاستخدام غير القانوني لأموال الاتحاد الأوروبي. وكانت محكمة قد أبقت على إدانتها في القضية، فيما لا تزال إجراءات الاستئناف قائمة، وقد تؤثر النتيجة النهائية في قدرتها على خوض الاستحقاق الرئاسي وفقًا للتطورات القانونية.
وفي المقابل، لا يحق لماكرون الترشح لولاية رئاسية ثالثة متتالية، بعدما استنفد الحد الدستوري المسموح به، ما يفتح المجال أمام منافسة جديدة على الرئاسة الفرنسية.
لكن طموحات لوبان لا تتوقف على استطلاعات الرأي أو برنامجها الاقتصادي والأمني فحسب؛ إذ يتعين عليها أيضًا إقناع شريحة أوسع من الناخبين بأن محاولتها تغيير صورة الحزب تعكس تحولًا فعليًا ومستدامًا.
اختبار مبكر لصورة «التجمع الوطني»
تكشف أحداث أورليان عن التوتر القائم بين مساعي «التجمع الوطني» لتوسيع حضوره الانتخابي، وبين استمرار الوقائع المثيرة للجدل المرتبطة بخطابه وبعض المشاركين في فعالياته.
ففي الوقت الذي تحاول فيه لوبان تقديم نفسها مرشحة تتجاوز الانقسامات التقليدية وتضع القضايا الاقتصادية والأمنية في صدارة خطابها، أعادت مشاهد إخراج الناشطين والتسجيل الذي أثار جدلًا بشأن تحية نازية تسليط الضوء على الملفات التي يسعى الحزب إلى تجاوزها.
ولا تعني هذه الحوادث وحدها حسم فرص الحزب الانتخابية أو تحديد مواقف جميع أعضائه وأنصاره، لكنها تضع قيادته أمام أسئلة تتعلق بمدى قدرته على ضبط سلوكه الداخلي، والتعامل مع مظاهر التطرف، وإقناع الناخبين بأن التحول الذي يعلنه يتجاوز تغيير الخطاب إلى الممارسة الفعلية.




