خلاف جغرافي أم صراع نفوذ بين العراق وإيران؟

لم يعد الخلاف بين العراق وإيران بشأن تسمية الخليج مجرد جدل لغوي أو تاريخي، بل بات يعكس تباينات سياسية أعمق تتعلق بالهوية والسيادة وتوازنات النفوذ في المنطقة. ففي ظل تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، واضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، برز تمسك بغداد باستخدام تسمية «الخليج العربي» بوصفه مؤشراً على رغبتها في توسيع هامش استقلال قرارها وتعزيز علاقاتها العربية.
ويكتسب هذا السجال أهمية إضافية بسبب موقع العراق الجغرافي والاقتصادي، وارتباط صادراته النفطية بالممرات البحرية في الخليج، فضلاً عن العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية الوثيقة التي تجمعه بطهران منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. وبين هذه المصالح المتشابكة، تحاول بغداد التعامل مع تداعيات الصراع الإقليمي من دون الإضرار بعلاقاتها مع إيران أو تعريض استقرارها الداخلي لمزيد من الضغوط.
كيف عاد الخلاف على تسمية الخليج إلى الواجهة؟
تجدد السجال خلال زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد في نهاية آب، عندما نشر صورة له إلى جانب خريطة للمنطقة تحمل تسمية «الخليج الفارسي».
وفي اليوم التالي، نشر رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي صورة أمام الخريطة نفسها، لكن مع استخدام تسمية «الخليج العربي»، في خطوة أعادت الخلاف التاريخي بين الطرفين إلى الواجهة، وأظهرت تبايناً في الموقفين الرسميين بشأن تسمية أحد أبرز المسطحات المائية الاستراتيجية في العالم.
وامتد الجدل لاحقاً إلى منشور للسفارة الإيرانية في كينيا، تضمن ادعاءات بشأن الأصول الفارسية لاسمي العراق وبغداد. وأثار المنشور انتقادات، قبل أن يُحذف، فيما استدعت وزارة الخارجية العراقية السفير الإيراني محمد كاظم آل صادق، مطالبة بتوضيحات بشأن منشورات صادرة عن بعثات إيرانية تضمنت خرائط وتصريحات اعتبرتها بغداد غير منسجمة مع طبيعة العلاقات بين البلدين.
وكشف هذا التبادل أن الخلاف لم يعد مقتصراً على اختيار مصطلح جغرافي، بل امتد إلى مسائل تتصل بالهوية الوطنية والرموز التاريخية وحدود الخطاب المقبول بين دولتين تربطهما علاقات واسعة ومصالح متداخلة.
الخليج العربي أم الفارسي؟ خلفية تاريخية وسياسية
يمتد الخلاف بشأن تسمية الخليج بين إيران والسواحل العربية المقابلة لها إلى عقود طويلة، وتستند مواقف الطرفين إلى اعتبارات تاريخية وجغرافية وقومية مختلفة.
وتستخدم إيران تسمية «الخليج الفارسي»، التي تتمتع بحضور واسع في عدد من المراجع والخرائط الدولية، وتعتبرها جزءاً من إرثها التاريخي وهويتها القومية. وفي المقابل، تتمسك الدول العربية المطلة على الخليج بتسمية «الخليج العربي»، وترى فيها تعبيراً عن هويتها وانتمائها الإقليمي.
ولا يقتصر التباين على الاستخدام اللغوي، إذ ترتبط التسمية في الخطاب السياسي لكل طرف بمسألة الانتماء التاريخي وحق تعريف المجال الجغرافي المحيط به. ولهذا، يصعب فصل الجدل عن التنافس الأوسع بين إيران وجيرانها العرب على النفوذ والأمن والمصالح الاستراتيجية.
ومع ذلك، فإن المواقف المتعلقة بالتسمية لا تعكس بالضرورة جميع أوجه العلاقات بين الدول المعنية، كما أن الخلاف بشأنها لا يعني وحده انتقال العلاقات السياسية إلى مرحلة القطيعة أو المواجهة المباشرة.
لماذا يكتسب الموقف العراقي أهمية خاصة الآن؟
تأتي عودة الخلاف في مرحلة حساسة بالنسبة إلى العراق، الذي يرتبط بإيران بعلاقات اقتصادية وأمنية وسياسية عميقة، لكنه يتأثر في الوقت نفسه بالتوترات التي تشهدها المنطقة، ولا سيما تداعيات المواجهة الإيرانية الأميركية واضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
ومنذ عام 2003، اتسع النفوذ الإيراني داخل العراق عبر قنوات سياسية واقتصادية وأمنية، كما تطورت العلاقات بين البلدين على مستويات متعددة. وأصبحت طهران أحد الأطراف الإقليمية المؤثرة في التوازنات العراقية، في حين حافظت بغداد على علاقات مع الولايات المتحدة ودول عربية، في محاولة لتحقيق توازن بين مصالحها وشراكاتها المختلفة.
غير أن تصاعد التوتر الإقليمي يضع هذه السياسة أمام اختبارات متزايدة، إذ يجد العراق نفسه معنيّاً بتداعيات أي اضطراب في الخليج، سواء على مستوى صادرات النفط أو حركة التجارة أو الأمن الداخلي.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة تمسك رئيس البرلمان العراقي بتسمية «الخليج العربي» بوصفه تأكيداً على الهوية العربية للعراق، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ بغداد قراراً بالابتعاد عن طهران أو تغيير تحالفاتها بصورة جذرية.
مضيق هرمز.. ورقة ضغط تتحول إلى عبء اقتصادي
تتجلى حساسية التطورات الإقليمية بالنسبة إلى العراق في اعتماده الكبير على الإيرادات النفطية، التي تشكل نحو 90% من إيرادات الحكومة وفق الأرقام الواردة في تقديرات اقتصادية متداولة. كما يعتمد تصدير القسم الأكبر من النفط العراقي على الممرات البحرية المرتبطة بالخليج ومضيق هرمز.
ويجعل هذا الاعتماد الاقتصاد العراقي عرضة للتأثر بأي اضطراب في حركة الملاحة أو تراجع في قدرة البلاد على تصدير النفط. ولذلك، فإن تداعيات المواجهة الإقليمية لا تبقى محصورة في الدول المنخرطة فيها مباشرة، بل تمتد إلى العراق الذي يحتاج إلى استمرار تدفق صادراته للحفاظ على إيراداته وتمويل الإنفاق العام.
وفي هذا السياق، برزت مطالب عراقية بمنح النفط العراقي معاملة خاصة والسماح باستمرار مروره في ظل القيود والاضطرابات التي تشهدها المنطقة. وتعكس هذه المطالب حجم التداخل بين المصالح العراقية والتطورات المرتبطة بالسياسة الإيرانية في الخليج.
وتكشف هذه المعادلة عن مفارقة مهمة: فالأدوات التي تمنح إيران قدرة على التأثير في حركة الملاحة والضغط على خصومها قد تلحق أضراراً أيضاً بدول ترتبط معها بعلاقات وثيقة، وفي مقدمتها العراق.
السلاح خارج مؤسسات الدولة.. نقطة خلاف داخلية وإقليمية
إلى جانب العامل الاقتصادي، يواجه العراق تحدياً يتعلق بتعدد القوى المسلحة وتداخل الأدوار الأمنية والسياسية، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تعزيز سلطة مؤسسات الدولة وترسيخ سيطرتها على قرار استخدام القوة.
وتضم الساحة العراقية فصائل مسلحة ترتبط بدرجات مختلفة بإيران، وقد لعب بعضها دوراً في القتال ضد تنظيم «داعش» إلى جانب القوات العراقية. لكن وضع هذه الفصائل وعلاقاتها بمؤسسات الدولة يثيران خلافات داخلية بشأن حدود استقلال قرارها العسكري ومدى خضوع أنشطتها لسلطة الحكومة.
ومع تصاعد المواجهة الإقليمية، تزداد حساسية هذا الملف بالنسبة إلى بغداد، التي تسعى إلى تجنب تحول أراضيها إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية أو تصفية الحسابات بين القوى الخارجية.
كما أن استمرار نشاط فصائل مسلحة خارج القرار الحكومي الموحد قد يضع العراق أمام مخاطر أمنية ودبلوماسية، خصوصاً إذا امتدت المواجهة إلى دول الجوار أو استهدفت مصالح مرتبطة بها.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال المشهد العراقي في العلاقة مع إيران وحدها، إذ تتداخل فيه اعتبارات داخلية تتعلق بتوازنات القوى السياسية، وطبيعة النظام الأمني، والعلاقة مع الولايات المتحدة، ومطالب قطاعات من المجتمع بتعزيز سيادة الدولة.
هل ترسم بغداد حدوداً جديدة للنفوذ الإيراني؟
يمكن النظر إلى الموقف العراقي من تسمية الخليج بوصفه مؤشراً على حرص بغداد على تأكيد هويتها العربية واستقلال قرارها، ولا سيما عندما يترافق مع تحركات دبلوماسية للاعتراض على تصريحات أو منشورات تمس رموز الدولة وهويتها.
لكن تفسير هذه الخطوات على أنها تحول استراتيجي حاسم في العلاقة مع إيران يبقى سابقاً لأوانه. فالعلاقات بين البلدين تقوم على عوامل جغرافية واقتصادية وأمنية متشابكة، كما أن النفوذ الإيراني داخل المؤسسات السياسية والأمنية العراقية لا يزال أحد عناصر المشهد الذي يتعين على الحكومة التعامل معه.
ولا يعني السعي إلى توسيع هامش الاستقلال بالضرورة الانتقال من محور إقليمي إلى آخر، بقدر ما قد يعكس رغبة عراقية في تنويع العلاقات الخارجية، وتجنب الانخراط في صراعات لا تتوافق مع مصالح البلاد، وتعزيز التعاون مع الدول العربية مع الحفاظ على قنوات التواصل مع طهران.
ومن هذا المنظور، قد تكون الرسالة العراقية موجهة إلى أكثر من طرف: إلى إيران للتأكيد على استقلال الهوية والقرار الوطنيين، وإلى الدول العربية لإظهار رغبة بغداد في الحفاظ على ارتباطها بمحيطها العربي، وإلى الأطراف الدولية للتشديد على أن استقرار العراق يتطلب احترام سيادته وعدم استخدام أراضيه ساحة للصراع.
إيران أمام معادلة النفوذ والمصالح
تواجه السياسة الإيرانية في المنطقة معادلة معقدة بين استخدام أدوات الضغط لتعزيز موقعها الاستراتيجي، والحفاظ على علاقاتها مع الدول المجاورة التي تتأثر مباشرة بنتائج هذه السياسات.
فكلما تصاعدت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، ازدادت المخاطر التي تواجه اقتصادات دول الخليج والعراق، وارتفعت كلفة التوتر على التجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي. وقد يدفع استمرار هذه التداعيات دولاً ترتبط بإيران بعلاقات اقتصادية وأمنية إلى إعادة تقييم بعض جوانب تعاونها معها.
وفي الحالة العراقية، لا يتعلق الأمر بالتسمية وحدها، بل بمدى قدرة الحكومة على حماية مصالح البلاد الاقتصادية، وتجنب الانجرار إلى المواجهة، وتثبيت سلطة مؤسسات الدولة في الملفات الأمنية والعسكرية.
ومع ذلك، فإن هذه الضغوط لا تؤدي تلقائياً إلى تراجع النفوذ الإيراني، إذ تعتمد نتائجها على تطورات الصراع، وقدرة بغداد على إدارة علاقاتها الخارجية، ومدى نجاحها في معالجة التحديات الداخلية.
خلاف على الاسم أم اختبار للسيادة العراقية؟
يعكس الجدل حول تسمية الخليج تداخلاً بين التاريخ والهوية والسياسة، لكنه يكتسب في المرحلة الراهنة أهمية إضافية بسبب تصاعد التوترات الإقليمية وتأثيرها المباشر على المصالح العراقية.
فتمسك بغداد بتسمية «الخليج العربي» يمكن أن يُقرأ بوصفه تعبيراً عن هويتها العربية ورغبتها في تأكيد استقلال موقفها، لكنه لا يكفي وحده لإثبات حدوث تحول جذري في علاقتها بطهران.
ويبقى الاختبار الأساسي أمام العراق في قدرته على حماية مصالحه الاقتصادية، وتعزيز سلطة مؤسساته، وتوسيع علاقاته العربية والدولية، مع تجنب الانخراط في صراعات تهدد استقراره.
وبين اعتبارات الجغرافيا والتاريخ وحسابات النفوذ، قد يكون السؤال الأهم ليس أي تسمية ستنتصر في السجال، بل ما إذا كان العراق سيتمكن من تحويل تأكيد هويته وسيادته إلى سياسة عملية تمنحه هامشاً أوسع لاتخاذ قراراته وفق مصالحه الوطنية.




