تهديدات إيرانية تتجاوز الشرق الأوسط.. واشنطن تقلّص طواقم بعثاتها

رفعت الولايات المتحدة مستوى التأهب الأمني في بعثاتها الدبلوماسية بالشرق الأوسط، وبدأت تقليص أعداد العاملين في عدد من السفارات والقنصليات، على خلفية معلومات استخباراتية تشير إلى تقدم خطط إيرانية محتملة لاستهداف مواطنين ومسؤولين أميركيين داخل المنطقة وخارجها.
وتأتي هذه الإجراءات وسط مخاوف من اتساع نطاق التهديدات لتشمل دولاً أوروبية، وربما الأراضي الأميركية، في وقت تصف فيه أجهزة الاستخبارات مستوى الخطر الذي يواجه المصالح الأميركية بأنه الأعلى منذ اندلاع الحرب مع إيران في فبراير/شباط الماضي.
وبحسب مسؤولين أميركيين، دفعت التحذيرات وزارة الخارجية إلى اتخاذ تدابير احترازية، شملت إصدار أوامر بمغادرة موظفين غير أساسيين وأفراد عائلاتهم السعودية، إلى جانب مراجعة أعداد العاملين في بعثات دبلوماسية أخرى وإعادة توزيعهم وفقاً للتقييمات الأمنية.
تحذيرات استخباراتية من خطط لاستهداف أميركيين
أفادت معلومات نقلتها وسائل إعلام أميركية بأن مدير الاستخبارات الوطنية، جاي كلايتون، وجّه مذكرة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، حذّر فيها من تكثيف إيران جهودها لاستهداف أفراد أميركيين.
وأشارت المذكرة إلى أن بعض الخطط المحتملة لتنفيذ هجمات قاتلة ضد مواطنين أميركيين وصلت إلى مراحل متقدمة في الشرق الأوسط ودول أخرى. واطلعت إدارة الرئيس دونالد ترامب على هذه المعلومات، وفق مسؤول أميركي.
وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، كثّف محللو الاستخبارات مراجعة المعلومات المتعلقة بتهديدات محتملة تستهدف مسؤولين أميركيين، بينهم سفراء ودبلوماسيون، فيما تلقى ترامب وكبار مساعديه إحاطات منتظمة بشأن تطورات الملف.
وتتضمن بعض المعلومات التي يجري تقييمها احتمال وجود عناصر مرتبطة بإيران داخل الولايات المتحدة، إلى جانب أهداف محتملة في أوروبا. غير أن مسؤولاً أميركياً حذّر من المبالغة في تقدير قدرة طهران على تنفيذ عمليات خارج حدودها، معتبراً أن طموحاتها المحتملة قد تتجاوز إمكاناتها الفعلية.
ولم يصدر تعليق من البيت الأبيض على هذه المعلومات، فيما امتنعت الجهات الاستخباراتية المعنية عن التعليق.
تقليص الموظفين وإجراءات أمنية مشددة
في إطار الاستجابة للتحذيرات، أمرت وزارة الخارجية الأميركية الموظفين غير الأساسيين وأفراد عائلاتهم بمغادرة السعودية، كما أجرت تعديلات على أعداد العاملين في بعثاتها الدبلوماسية بالمنطقة.
وشملت الإجراءات إخضاع عدد من البعثات لنظام «التشغيل المقيد»، الذي يمنح المسؤولين صلاحيات أوسع لتقليص أعداد الموظفين أو إعادة توزيعهم استناداً إلى التقييمات الأمنية، من دون الحاجة إلى إعلان منفصل عن كل إجراء.
وأكد مسؤولون أميركيون أن القرارات ترتبط بالمعلومات الاستخباراتية الأخيرة، فيما أوضحت وزارة الخارجية أنها تواصل تقييم التطورات الأمنية لتحديد حجم الطواقم اللازمة في سفاراتها.
وتؤثر في هذه القرارات أيضاً المخاوف من هجمات محتملة ينفذها الحوثيون في اليمن، إلى جانب التهديدات المنسوبة إلى إيران. وكانت البعثات الأميركية في المنطقة تعمل بالفعل بأعداد أقل من المعتاد نتيجة القيود الأمنية المفروضة منذ اندلاع الحرب.
وفي موازاة ذلك، يسعى كلايتون إلى إتاحة نطاق أوسع من المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالمخاطر أمام الموظفين الحكوميين، عبر مراجعة مستوى السرية المفروض على بعض البيانات.
مخاوف تمتد إلى المنشآت العسكرية في أوروبا
لا تقتصر المخاوف الأميركية على السفارات والمصالح الدبلوماسية في الشرق الأوسط، بل تمتد إلى المنشآت العسكرية خارج المنطقة.
وفي هذا السياق، سحب الجيش الأميركي، مطلع أكتوبر/تشرين الأول، قاذفاته الاستراتيجية الاثنتي عشرة من طراز «بي-1» من قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في جنوب إنجلترا، وفق المعلومات المنشورة بشأن التطورات الأمنية.
وجاءت الخطوة بعد تلقي القادة العسكريين معلومات عن تهديدات إيرانية محتملة تستهدف القاعدة، ما أثار مخاوف بشأن أمن المنشآت العسكرية الأميركية في أوروبا.
وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق الاستعدادات الأمنية الأميركية، في ظل سعي طهران، وفق تقديرات مسؤولين أميركيين، إلى إيجاد وسائل للرد على الولايات المتحدة وحلفائها.
تداعيات الحرب تعيد ملف حماية الأميركيين إلى الواجهة
تأتي التحذيرات الجديدة بعد أشهر من اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، وما رافقها من هجمات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة، واضطرابات في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وأعادت الإجراءات الأخيرة إلى الواجهة انتقادات وُجهت إلى الإدارة الأميركية بشأن تعاملها مع سلامة مواطنيها في المنطقة عند بداية الحرب، إذ واجهت وزارة الخارجية انتقادات بسبب عدم تحذير آلاف الأميركيين الموجودين في المنطقة من ضرورة المغادرة قبل اندلاع المواجهة، فضلاً عن محدودية المساعدة المقدمة لإجلائهم بعد بدء الهجمات.
كما أثارت التقارير المتعلقة بالتخطيط المسبق للضربات الأميركية والإسرائيلية تساؤلات بشأن مدى استعداد واشنطن لحماية مواطنيها وموظفيها الدبلوماسيين في حال تجدد التصعيد.
وتتزامن هذه المخاوف مع استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية الأميركية على إيران، بما في ذلك الحصار البحري المفروض على موانئها، وسط تقارير عن إعداد واشنطن وتل أبيب خططاً لشن ضربات جديدة بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، من دون اتخاذ قرار نهائي بشأن تنفيذها.
وبين التحذيرات الاستخباراتية والإجراءات الاحترازية، تواجه الإدارة الأميركية تحدياً أمنياً يتجاوز حماية بعثاتها في الشرق الأوسط، مع احتمال امتداد التهديدات إلى أوروبا والولايات المتحدة، في وقت لا تزال فيه مسارات إنهاء الحرب واحتمالات تجدد المواجهة غير محسومة.




