باب المندب في مرمى التصعيد.. ما دور الحوثيين في الحسابات الإيرانية؟

مع تزايد الضغوط الأمريكية على إيران وتضييق الخناق الاقتصادي عليها، تتجه الأنظار إلى الخيارات التي قد تلجأ إليها طهران للحفاظ على قدرتها على التأثير في مسار المواجهة الإقليمية، وسط تقديرات تشير إلى احتمال توظيف حلفائها في المنطقة لزيادة الضغوط على واشنطن.
وفي هذا السياق، يبرز الحوثيون في اليمن ضمن أوراق الضغط التي يمكن أن تؤثر في أمن الملاحة الدولية، ولا سيما في مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر، حيث قد يؤدي أي تصعيد إلى تداعيات تتجاوز أطراف المواجهة، لتطال حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
وبينما ارتبطت التهديدات الإيرانية في مراحل سابقة بمضيق هرمز والخليج العربي، يثير احتمال انتقال التصعيد إلى البحر الأحمر تساؤلات بشأن طبيعة الاستراتيجية الإيرانية وحدود قدرتها على استخدام ساحات إقليمية متعددة للتأثير في حسابات خصومها.
أوراق بديلة لتوسيع نطاق الضغط
تستند أهمية باب المندب إلى موقعه الاستراتيجي على أحد أبرز الممرات البحرية للتجارة الدولية، إذ تمر عبره سفن تربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، ما يجعل أمنه عاملاً مؤثراً في حركة الشحن وسلاسل الإمداد.
وقد يشكل أي تهديد للملاحة في هذا الممر مصدر ضغط اقتصادي وأمني على الولايات المتحدة ودول أخرى، لكنه قد يترتب عليه أيضاً ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب حركة التجارة، بما ينعكس على اقتصادات المنطقة والعالم.
وفي هذا الإطار، يُطرح احتمال أن يوفر تحرك الحوثيين لطهران مجالاً لتوسيع نطاق المواجهة دون الانخراط المباشر في جميع عملياتها، مع بقاء طبيعة العلاقة العملياتية بين الطرفين ومدى قدرة إيران على التحكم في قرارات الحوثيين مسألتين تحتاجان إلى التمييز بينهما عند تقييم التطورات الميدانية.
كما أن اتساع نطاق التوتر البحري قد يدفع أطرافاً دولية إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية والأمنية لاحتواء التصعيد، لكنه لا يعني بالضرورة أن الضغوط ستفضي إلى تسوية مع طهران أو تغيير الموقف الأمريكي.
تصاعد المخاوف من اتساع المواجهة
تتزامن هذه الحسابات مع مخاوف من امتداد المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى قطاعات حيوية، تشمل الطاقة والموانئ والمطارات والممرات البحرية، بما يزيد احتمالات تعرض منشآت مدنية ومصالح تجارية للخطر.
وفي هذا السياق، تشير تقديرات سياسية إلى أن استمرار التصعيد قد يوسع نطاق الأضرار، خصوصاً إذا انتقلت العمليات من استهداف الأهداف العسكرية إلى منشآت مدنية أو بنى تحتية حيوية، ما يرفع المخاطر على المدنيين والمسافرين والعاملين في قطاعات النقل والخدمات.
ويعكس هذا الاحتمال صعوبة احتواء المواجهات التي تتداخل فيها أطراف مباشرة وأخرى إقليمية، إذ يمكن لأي هجوم أو رد عسكري أن يؤدي إلى خطوات إضافية يصعب التنبؤ بنطاقها أو توقيتها.
ضغوط اقتصادية وتراجع هامش المناورة
تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة في ظل العقوبات الأمريكية والإجراءات الرامية إلى تقليص مواردها وقدرتها على الالتفاف على القيود المفروضة عليها. وتؤثر هذه الضغوط في خيارات طهران، لكنها لا تحدد وحدها مسار قراراتها العسكرية والسياسية.
وتشير تقديرات إلى أن الرهان على إحداث اضطراب في أسواق الطاقة وحركة التجارة قد يشكل أحد عناصر الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة واشنطن، عبر رفع الكلفة الاقتصادية لأي تصعيد إقليمي.
لكن فاعلية هذا النهج تبقى مرتبطة بحجم التأثير الفعلي في الملاحة والأسواق، وبقدرة الولايات المتحدة وشركائها على حماية الممرات البحرية والحد من تداعيات الهجمات، فضلاً عن الحسابات السياسية والعسكرية لكل طرف.
ولا توجد ضمانات بأن يؤدي الضغط على التجارة الدولية إلى دفع واشنطن نحو تسوية، إذ قد يقود التصعيد أيضاً إلى تشديد الإجراءات الاقتصادية أو توسيع العمليات العسكرية لحماية الملاحة.
باب المندب بين الردع ومخاطر التصعيد
يمنح الموقع الجغرافي لليمن الحوثيين قدرة على التأثير في أمن البحر الأحمر ومحيط باب المندب، إلا أن تحويل هذه القدرة إلى أداة ضغط مستدامة يتوقف على عوامل عدة، من بينها طبيعة العمليات العسكرية، وردود الفعل الدولية، ومدى قدرة الأطراف المعنية على تأمين حركة السفن.
كما أن استخدام الملاحة الدولية ورقةً في الصراع قد يفرض تكاليف على الأطراف المستهدفة، لكنه قد يرتد أيضاً على اليمن والمنطقة، من خلال تعطيل التجارة وارتفاع أسعار السلع وتفاقم الأوضاع الإنسانية.
وتبقى قدرة إيران على الاستفادة من هذه الورقة مرتبطة بمدى استعداد الحوثيين لتوسيع عملياتهم، وبحسابات الجماعة نفسها، فضلاً عن ردود الفعل التي قد تترتب على أي تهديد جديد للممرات البحرية.
صراع مفتوح على احتمالات متعددة
يضع احتمال انتقال التصعيد إلى باب المندب أمن الملاحة الدولية أمام تحديات إضافية، في وقت تتشابك فيه الضغوط الاقتصادية والحسابات العسكرية مع مصالح أطراف إقليمية ودولية.
وبين مساعي واشنطن لتقييد قدرة طهران على المناورة ومحاولات إيران الحفاظ على أوراق تأثيرها الإقليمية، يظل البحر الأحمر إحدى الساحات التي قد تتأثر بمسار المواجهة، من دون أن يعني ذلك أن توسيع العمليات الحوثية بات أمراً محسوماً.
وفي نهاية المطاف، سيتوقف مسار الأزمة على قرارات الأطراف المعنية ومدى استعدادها لتجنب استهداف الممرات التجارية والمنشآت المدنية، إذ إن أي تصعيد في باب المندب لن تقتصر تداعياته على طرفي المواجهة، بل قد تمتد إلى التجارة العالمية وأمن المنطقة واستقرارها.




