
تحتفظ مركبة «بيرسيفيرانس» التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» بعينة صخرية صغيرة على سطح المريخ، قد تحمل مؤشرات على وجود حياة مجهرية في الماضي البعيد للكوكب الأحمر. لكن الوصول إلى هذه العينة وإخضاعها لتحليلات مخبرية دقيقة على الأرض لا يزال يواجه عقبات مالية وتقنية، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة الولايات المتحدة على استكمال مهمتها قبل منافستها الصينية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تستعد فيه الصين لتنفيذ مهمة «تيانوين-3» لاستعادة عينات من المريخ، في سباق قد يمنح بكين فرصة تحقيق إنجاز علمي وتاريخي إذا نجحت في إعادة العينات قبل الولايات المتحدة.
عينة مريخية تثير اهتمام العلماء
جمعت مركبة «بيرسيفيرانس» عينة صخرية أُطلق عليها اسم «سافاير كانيون» في يوليو/تموز 2024، من صخرة تُعرف باسم «تشيفايا فولز»، قرب وادٍ قديم تشير الأدلة الجيولوجية إلى أن المياه جرت فيه قبل مليارات السنين، ضمن منطقة فوهة جيزيرو على سطح المريخ.
وتكتسب العينة أهمية خاصة بسبب بقع فاتحة اللون تنتشر على سطح الصخرة، في نمط يشبه جلد الفهد. وقد أثارت هذه العلامات اهتمام العلماء بسبب تشابهها مع ظواهر أرضية يمكن أن ترتبط بنشاط ميكروبي، لكنها قد تنتج أيضاً عن تفاعلات كيميائية وجيولوجية لا علاقة لها بالحياة.
ولهذا، لا يمكن اعتبار العينة دليلاً مؤكداً على وجود حياة قديمة خارج الأرض، بل إنها تحمل مؤشرات تستحق مزيداً من الفحص والتحليل.
لماذا يحتاج العلماء إلى إعادة العينة إلى الأرض؟
على الرغم من القدرات العلمية المتقدمة لمركبة «بيرسيفيرانس»، فإن أدواتها لا تستطيع حسم جميع الأسئلة المتعلقة بأصل العلامات الموجودة في العينة. ويتطلب التمييز بين التفسيرات البيولوجية وغير البيولوجية استخدام أجهزة مخبرية أكثر تطوراً، لا يمكن إرسال جميعها إلى المريخ ضمن مركبة واحدة.
ويرى الباحثون أن إعادة العينات إلى الأرض ستتيح إخضاعها لمجموعة واسعة من الاختبارات، ومقارنة نتائجها ببيانات جيولوجية وكيميائية وبيولوجية أخرى. وقد تساعد هذه التحليلات في تحديد ما إذا كانت الظروف على المريخ قد سمحت بظهور حياة مجهرية في الماضي.
وتستحضر هذه المساعي الجدل العلمي الذي أحاط بالنيزك المريخي «آلان هيلز 84001»، الذي أثار اهتماماً واسعاً بعد طرح فرضيات عن احتمال احتوائه على مؤشرات للحياة، قبل أن تبقى دلالاته موضع نقاش علمي.
تكاليف متصاعدة تعرقل خطة ناسا
واجه برنامج إعادة عينات المريخ، الذي عملت عليه «ناسا» بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية، تحديات مالية وتقنية متزايدة. فقد ارتفعت تقديرات تكلفته إلى نحو 11 مليار دولار، فيما تأجل الموعد المتوقع لإعادة العينات إلى الأرض إلى عام 2040، وفق التقديرات التي تناولت البرنامج.
وتعود الصعوبات إلى تعقيد المهمة، التي تتطلب تنسيق عمل مركبات متعددة، تشمل أنظمة لجمع العينات وإطلاقها من سطح المريخ ونقلها إلى مركبة قادرة على العودة بها إلى الأرض.
ومع تصاعد التكاليف، ألغت «ناسا» الخطة السابقة ضمن توجهاتها المتعلقة بميزانية عام 2026، وبدأت دراسة بدائل أقل تكلفة وتعقيداً، من بينها خيارات تجارية أو تعاون دولي، من دون حسم نهائي لمسار المهمة.
وفي المقابل، طُرح مقترح من شركة «لوكهيد مارتن» لإعادة نحو 30 عينة بحلول عام 2037، بكلفة تقل عن 3 مليارات دولار وفقاً للمقترح المعلن. لكن اعتماد أي خطة بديلة يتطلب تقييماً تقنياً ومالياً، إلى جانب تحديد جدول زمني قابل للتنفيذ.
الصين تستعد لمهمة «تيانوين-3»
في ظل الصعوبات التي تواجه الخطة الأمريكية، تعمل الصين على الاستعداد لمهمة «تيانوين-3»، التي تستهدف إطلاقها في عام 2028 وإعادة عينات مريخية إلى الأرض بحلول عام 2031، وفق الجدول المعلن للمهمة.
وتقوم الخطة على عمليتي إطلاق لتوفير المركبات والأنظمة اللازمة للوصول إلى المريخ وجمع العينات ونقلها إلى الأرض. كما تستفيد من الخبرات التي اكتسبتها الصين في مهماتها الفضائية السابقة، ولا سيما مهمة «تشانغ آه-6» التي نجحت في إعادة عينات من الجانب البعيد للقمر.
ومن المقرر أن تجمع المهمة الصينية عينات من تربة وصخور المريخ باستخدام تقنيات تشمل الحفر، مع استهداف مواد قد تساعد العلماء على فهم تاريخ الكوكب وتطوره الجيولوجي.
لكن نجاح المهمة يظل مرتبطاً بتجاوز تحديات كبيرة، من بينها الهبوط على المريخ، وجمع العينات، وإطلاقها من سطح الكوكب، ثم نقلها بأمان إلى الأرض.
هل تسبق بكين واشنطن إلى عينات المريخ؟
إذا التزمت الصين بالجدول الزمني المعلن ونجحت في إعادة العينات بحلول عام 2031، فقد تحقق أسبقية تاريخية في استعادة مواد من المريخ، في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة تبحث عن مسار قابل للتنفيذ لمهمتها.
ولا يعني ذلك أن التفوق العلمي في دراسة المريخ سيُحسم بالكامل بمجرد وصول أولى العينات؛ فالقيمة العلمية ستعتمد أيضاً على طبيعة المواد التي ستُجمع، وجودتها، والاختبارات التي ستُجرى عليها، ومدى ما ستكشفه من معلومات جديدة.
ومع ذلك، فإن السباق يحمل أهمية تتجاوز المنافسة التقنية، إذ قد تسهم العينات المريخية في الإجابة عن أحد أكبر الأسئلة العلمية: هل ظهرت الحياة خارج الأرض، أم أن الظروف التي سمحت بظهورها على كوكبنا كانت استثنائية؟




