إيران تستعد لسيناريو الحرب مع واشنطن وتل أبيب

ترفع إيران مستوى استعدادها لاحتمال تجدد المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بالتزامن مع تصعيد جديد في مضيق هرمز، بعدما أعلنت طهران تعرض ناقلتي نفط لانفجارات ناجمة عن ألغام أثناء إبحارهما في المسار الجنوبي للمضيق. ويتزامن ذلك مع تقديرات داخل إيران بأن الحرب قد تعود «عاجلاً أم آجلاً»، وسط تداخل الحسابات العسكرية والاقتصادية مع الرهان على تأثير أزمة الطاقة في انتخابات التجديد النصفي الأميركية.
وجاء الإعلان الإيراني عن انفجار الناقلتين في وقت تكثف فيه طهران الضغوط على حركة الملاحة في المضيق، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط عالمياً. وتشير هذه التحركات إلى استمرار استخدام أمن الملاحة والطاقة ضمن أدوات الضغط المتبادل، في ظل تعثر المساعي الرامية إلى إنهاء المواجهة بصورة نهائية.
طهران تستعد لسيناريو تجدد الضربات
تقول تقديرات داخل إيران إن القيادة لا تستبعد استئناف العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، وترى أن واشنطن قد تلجأ إلى التصعيد لكسر حالة الجمود القائمة في المنطقة.
ونُقلت عن مسؤول إيراني تصريحات تفيد بأن طهران تستعد لاحتمال تعرضها لهجمات جديدة، بدلاً من التعويل على التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، مؤكداً أن القيادة الإيرانية لا تريد منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مكسباً سياسياً.
وأقر مسؤولون إيرانيون بأن طهران أطالت أمد المفاوضات مع واشنطن، على أمل إلحاق خسارة سياسية بترامب خلال انتخابات التجديد النصفي. ويعكس هذا الطرح دخول الحسابات الانتخابية الأميركية ضمن تقديرات بعض دوائر صنع القرار في إيران، إلى جانب الاعتبارات الأمنية والعسكرية.
وكان ترامب قد أعلن أن الولايات المتحدة لن تقصف إيران قبل الثالث من تشرين الثاني، موعد الانتخابات النصفية، لكن هذا الإعلان لم يبدد المخاوف في طهران من احتمال استئناف الضربات بعد ذلك، أو من تغير الموقف الأميركي وفقاً لتطورات الميدان والمفاوضات.
مضيق هرمز في قلب المواجهة
على الرغم من تصاعد الهجمات على ناقلات النفط، أشارت تقارير إلى نجاح الولايات المتحدة في زيادة تدفق النفط من منطقة الخليج خلال الأسابيع الأخيرة، عبر عمليات تهدف إلى دعم حركة السفن ومساعدتها على عبور الممرات البحرية.
وتشمل هذه العمليات، وفقاً للمعلومات المتداولة، استخدام مقاتلات وطائرات مسيّرة وقوات خاصة لتوجيه السفن خلال دخولها الخليج وخروجها منه.
في المقابل، تتحدث تقديرات عن استهداف إيران أعداداً كبيرة من ناقلات النفط، فيما أشارت بيانات بحرية بريطانية إلى تعرض أكثر من 20 سفينة لهجمات خلال الشهر الجاري، وغرق إحداها.
وتبرز أهمية مضيق هرمز في قدرته على نقل تداعيات المواجهة إلى أسواق الطاقة العالمية؛ فأي اضطراب واسع في الملاحة قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويزيد الضغوط على أسعار النفط، بما ينعكس على الاقتصاد الأميركي والأسواق الدولية.
وتراهن طهران، بحسب تقديرات متداولة، على أن استمرار التوتر وارتفاع أسعار الطاقة قد يفاقمان الضغوط الداخلية على الإدارة الأميركية قبيل الانتخابات. غير أن حجم التأثير السياسي لهذا المسار يظل غير محسوم، ويتوقف على تطورات الأسعار والاقتصاد الأميركي ومواقف الناخبين.
زيارة عاصم منير وسط التوتر
في خضم هذه التطورات، وصل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى إيران، بعد أن اضطلع بدور في جهود الوساطة بين طهران وواشنطن منذ إعلان وقف إطلاق النار في نهاية الحرب الأخيرة.
ويتمتع منير بنفوذ واسع داخل باكستان، كما اكتسبت تحركاته أهمية في ظل استمرار الاتصالات الرامية إلى احتواء التصعيد ومنع انهيار التهدئة.
ولم يعلن الجانب الإيراني تفاصيل واضحة بشأن أهداف الزيارة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن طهران ستبحث مع المسؤول الباكستاني طبيعة الملفات المطروحة خلال اللقاء.
وتأتي الزيارة في توقيت حساس، مع عودة التحذيرات الإسرائيلية بشأن إيران وحلفائها، وتجدد المخاوف من اتساع المواجهة. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد حذر طهران من احتمال اتخاذها خطوات ضد إسرائيل.
وفي المقابل، أكد بقائي أن بلاده لا تنوي تقديم تنازلات في الملف النووي، وأنها تتمسك بموقفها بشأن إدارة مضيق هرمز.
وقال إن إيران تعيش في ظل احتمال دائم لعودة الحرب، مضيفاً أن قواتها مستعدة للتصدي لأي عمل عدائي. كما وصف الرسائل التي تلقتها طهران من الطرف الآخر بأنها غير كافية وجزئية، مؤكداً أن الموقف الإيراني ومطالبه أُبلغا إلى الجانب المقابل.
وتشير هذه التصريحات إلى أن المسار الدبلوماسي لم ينجح حتى الآن في إزالة الخلافات الأساسية بين الطرفين، خصوصاً ما يتعلق بالملف النووي وأمن الملاحة وشروط إنهاء المواجهة.
الرهان على انتخابات التجديد النصفي
تحتل الانتخابات الأميركية وأسعار الطاقة وتراجع شعبية ترامب مساحة متزايدة في النقاشات الإيرانية، وفقاً لتقديرات دبلوماسية. وترى هذه التقديرات أن بعض المسؤولين الإيرانيين يعتبرون الضغط الاقتصادي والسياسي وسيلة للتأثير في حسابات الإدارة الأميركية.
ويستحضر هذا الرهان أزمة الرهائن الأميركيين في إيران عام 1979 وما أعقبها من تداعيات سياسية على الرئيس الأميركي جيمي كارتر خلال انتخابات عام 1980. لكن المقارنة بين الحالتين لا تعني بالضرورة تكرار النتائج نفسها، في ظل اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وتعتقد دوائر إيرانية، وفقاً للمعلومات المتداولة، أن استمرار أزمة الطاقة قد يضع ترامب أمام تحديات داخلية، إلا أن تحويل هذا الضغط إلى مكسب انتخابي يظل رهناً بعوامل متعددة، لا تقتصر على أسعار النفط أو التطورات في مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، تنظر طهران إلى الخطوات الأميركية في المضيق باعتبارها تصعيداً، فيما تصف بعض التحركات المرتبطة بحركة السفن بأنها عمليات غير مشروعة. ويعكس هذا التباين اتساع الخلاف بشأن أمن الملاحة وحرية العبور، إلى جانب النزاع حول مستقبل المواجهة.
موسكو وطهران تتمسكان برفض الحل العسكري
تزامنت زيارة قائد الجيش الباكستاني مع زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران، حيث التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي.
وأكد عراقجي، في ختام الزيارة، توافق بلاده مع روسيا على أن الخيار العسكري لا يمثل حلاً للأزمة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه التحركات الدبلوماسية، بالتوازي مع استمرار الاستعدادات العسكرية والضغوط المرتبطة بالملاحة البحرية. ولا تزال فرص التوصل إلى تفاهم تتأثر بالخلافات حول الملف النووي، وشروط التهدئة، ومستقبل السيطرة على حركة السفن في مضيق هرمز.
مرحلة مفتوحة على احتمالات التصعيد
تضع التطورات الأخيرة إيران أمام معادلة معقدة، تجمع بين الاستعداد لاحتمال استئناف الضربات، واستخدام مضيق هرمز ورقة ضغط اقتصادية، ومحاولة التأثير في الحسابات السياسية داخل الولايات المتحدة.
وفي المقابل، تواصل واشنطن تحركاتها لحماية الملاحة، بينما تصر إسرائيل على إبقاء التهديد الإيراني ضمن أولوياتها الأمنية.
وبين انفجارات ناقلات النفط، والزيارات الدبلوماسية المتلاحقة، والتصريحات التي تعكس استعداد طهران لاحتمال عودة الحرب، لا تزال المنطقة أمام مسارات متعارضة: احتواء التصعيد عبر الوساطة، أو العودة إلى المواجهة العسكرية.
وتبقى الانتخابات الأميركية محطة مهمة في الحسابات الإيرانية، لكنها لا تحسم وحدها مسار الأزمة. فمستقبل المواجهة سيتوقف على قرارات الأطراف المعنية، ومدى قدرتها على التوصل إلى تفاهم بشأن الملفات الخلافية، قبل أن يؤدي أي تصعيد جديد في مضيق هرمز إلى توسيع نطاق الأزمة.




