أخبــاربلاد الشامنبض الساعةهيدلاينز

من إدلب إلى دمشق.. كيف أمسك الشرع بمفاصل الحكم؟

أعاد سقوط نظام بشار الأسد تشكيل مؤسسات الحكم في سوريا، مع انتقال شخصيات وموظفين سبق أن عملوا في مؤسسات أُنشئت في إدلب خلال السنوات السابقة إلى مواقع رئيسية في السلطة الجديدة بدمشق، في وقت يتركز فيه جانب من النقاش حول طبيعة النظام السياسي الجديد ومدى توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الدولة.

وفي تحليل نشرته صحيفة “معاريف”، يرى الباحث الإسرائيلي يارون فريدمان أن هذا الانتقال يعكس امتداداً لمؤسسات وشبكات نفوذ تشكلت في إدلب إلى العاصمة، ويطرح تساؤلات حول طبيعة توزيع السلطات في المرحلة الجديدة. وهذه قراءة للكاتب، ولا تعني بالضرورة توصيفاً متفقاً عليه لطبيعة النظام السياسي في سوريا.

ويعود فريدمان إلى الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2024، عندما أدارت “حكومة الإنقاذ” في إدلب مؤسسات مدنية وقضائية وتعليمية تحت نفوذ “هيئة تحرير الشام”، التي كان يقودها أحمد الشرع، المعروف آنذاك باسم أبو محمد الجولاني.

وشملت تلك المنظومة وزارات ومحاكم وجامعة ومجلس شورى وهيئات للرقابة والتفتيش، إضافة إلى هياكل إدارية أخرى. وبعد سقوط النظام في دمشق في كانون الأول 2024، انتقلت شخصيات سبق أن عملت ضمن هذه المؤسسات إلى مواقع في السلطة الجديدة، في وقت كانت فيه دمشق بحاجة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وإدارتها.

وتشكلت أول حكومة في عهد الشرع في آذار 2025، فيما تلتها خطوات لإعادة تشكيل المؤسسات التشريعية والقضائية. ويناقش فريدمان في هذا السياق الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025، والذي أرسى نظاماً جمهورياً رئاسياً ومنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة تشمل تعيين الحكومة وثلث أعضاء مجلس الشعب وأعضاء المحكمة الدستورية.

وبحسب التحليل، تضم الحكومة عدداً من المسؤولين الذين سبق لهم العمل في “هيئة تحرير الشام” أو “حكومة الإنقاذ”، من بينهم وزير الداخلية أنس خطاب، ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة، ووزير الخارجية أسعد الشيباني، ووزير العدل مظهر الويس، إلى جانب مسؤولين تولوا حقائب أخرى.

ويربط الكاتب ذلك بما يراه امتداداً إدارياً بين تجربة الحكم في إدلب ومؤسسات الدولة في دمشق، بينما يمكن النظر إلى وجود هؤلاء المسؤولين أيضاً في إطار انتقال كوادر من الإدارة المحلية السابقة إلى مؤسسات السلطة المركزية الجديدة.

وفي المؤسسة القضائية، يلفت التحليل إلى تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا السبعة في تموز 2026، برئاسة عصام الخليف. ويستعرض فريدمان مسيرة الخليف، الذي انشق عن النظام عام 2013، ثم عمل في كلية الشريعة والقانون بجامعة إدلب، وتولى لاحقاً منصب الأمين العام لـ”حكومة الإنقاذ” ورئاسة لجان مرتبطة بالتشريعات وانتخابات مجلس الشورى.

ويعتبر الكاتب أن انتقال شخصية تولت في السابق مسؤوليات قانونية وتشريعية في إدلب إلى رئاسة المحكمة الدستورية يمثل أحد أبرز الأمثلة على انتقال الكوادر والمؤسسات بين المرحلتين.

وعلى المستوى التشريعي، انعقد مجلس الشعب في تموز 2026، ويشير التحليل إلى أن 70 من أصل 210 مقاعد يعيّنها رئيس الجمهورية مباشرة. كما يلفت إلى أن النائب الأول لرئيس المجلس مصطفى الموسى كان قد ترأس مجلس الشورى العام التابع لـ”حكومة الإنقاذ” حتى كانون الأول 2024.

ويمتد النقاش إلى إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية، بعد دمج فصائل مسلحة كانت تنشط في مناطق مختلفة ضمن تشكيلات الجيش الجديد. وبحسب التحليل، جرى دمج نحو 130 فصيلاً في قرابة 25 فرقة، ثم أعيد تنظيم الجيش وفق نظام الفيالق في حزيران 2026، قبل إجراء تغييرات في عدد من القيادات خلال آب.

ويرى فريدمان أن هذه العملية تعكس صعوبة الانتقال من تشكيلات مسلحة متعددة إلى مؤسسة عسكرية موحدة، مشيراً إلى استمرار حضور شخصيات سبق أن قادت “هيئة تحرير الشام” في مواقع قيادية داخل الجيش الجديد. وفي المقابل، فإن عملية دمج الفصائل وإعادة هيكلة القوات لا تزال جزءاً من مسار أوسع لبناء مؤسسات عسكرية موحدة بعد سنوات من الحرب وتعدد مراكز القوة.

وفي الجانب الديني، يتناول التحليل موقع المفتي أسامة الرفاعي، الذي ينتمي إلى أسرة دينية دمشقية، ولا يرتبط تنظيمياً بـ”هيئة تحرير الشام”. وكان الرفاعي قد اتخذ في مراحل سابقة مواقف معارضة لتنظيمي “داعش” والقاعدة، كما لم تكن علاقته بالشرع قائمة على تحالف سابق.

ويربط فريدمان التقارب بين الطرفين بمحاولة السلطة الجديدة توسيع قاعدة الشرعية الدينية والاجتماعية، وهو تفسير يقدمه الكاتب ضمن تحليله السياسي، فيما لا يغيّر ذلك من حقيقة أن الرفاعي يمثل مرجعية دينية مستقلة عن الهيئة.

وفي المقابل، شهدت المؤسسات الجديدة حضوراً لنساء وشخصيات من مكونات دينية ومجتمعية مختلفة، بينهم وزيرة مسيحية ووزير علوي وآخر درزي، إضافة إلى قاضيتين في المحكمة الدستورية ونائبة لرئيس البرلمان. ويشير التحليل إلى أن حجم التأثير الفعلي لهذه الشخصيات يبقى موضع نقاش، خصوصاً في ظل تركّز الصلاحيات التنفيذية والسياسية في مواقع محددة.

كما يلفت إلى تأخر استكمال التمثيل البرلماني لبعض المناطق. وبقيت مقاعد السويداء الثلاثة شاغرة بسبب تعذر إجراء الانتخابات فيها، فيما أُرجئت الانتخابات في مناطق ذات غالبية كردية، بينها الرقة والحسكة وعين العرب، قبل استكمالها في مراحل لاحقة.

ويتطرق التحليل كذلك إلى وضع العلويين، ولا سيما بعد التطورات الأمنية التي شهدتها مناطق الساحل، ويرى أن تمثيلهم في مؤسسات الحكم لا يعكس، من وجهة نظره، حجم التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه مناطقهم. وهذه أيضاً قراءة سياسية للكاتب، في ظل تعقيدات المشهد الداخلي وتعدد مواقف القوى والمكونات السورية.

وفي العلاقة مع إسرائيل، يشير فريدمان إلى وجود اتصالات أمنية بين دمشق وإسرائيل بوساطة أميركية منذ كانون الثاني 2026، وإلى إعلان الشرع في تموز عن السعي إلى اتفاق أمني. وفي المقابل، أكد وزير الخارجية أسعد الشيباني أن سوريا لن تقبل، وفق ما نقل عنه، قيوداً تحد من قدرتها على بناء قواتها العسكرية، مع استمرار التعاون العسكري مع تركيا.

ويضع التحليل هذه التطورات في سياق التنافس على مستقبل المؤسسة العسكرية السورية، إذ يرى الكاتب أن تعزيز قدرات الجيش الجديد يمثل مصدر قلق لإسرائيل. ويشير إلى الغارة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور شرقي إدلب في آب، والتي قالت تقارير إنها جاءت على خلفية معلومات بشأن خطط لنشر قوات ورادار تركيين في الموقع.

وتكتسب قاعدة أبو الظهور أهمية رمزية أيضاً في هذا السياق، إذ كانت قد سقطت عام 2015 بيد “جبهة النصرة”، التي كان يقودها الشرع آنذاك، قبل أن تصبح لاحقاً جزءاً من حسابات المؤسسة العسكرية السورية الجديدة.

ويضع هذا المسار سوريا أمام مرحلة انتقالية معقدة، تتداخل فيها عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة مع انتقال كوادر من إدارات سابقة إلى مواقع حكومية جديدة، وإعادة تنظيم الجيش والقضاء والمؤسسات التشريعية، إلى جانب محاولات توسيع التمثيل السياسي والمجتمعي.

وبينما يصف فريدمان هذا المسار بأنه استمرار لنموذج الحكم الذي نشأ في إدلب، فإن طبيعة النظام السوري الجديد لا تزال موضوعاً للنقاش السياسي والقانوني، خصوصاً مع اتساع صلاحيات الرئاسة، واستمرار عملية إعادة بناء المؤسسات، وتعدد القوى المحلية والإقليمية المؤثرة في المرحلة الانتقالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى