بين نيودلهي وواشنطن.. شي يتحرك لتهدئة جبهتين أمام الصين

يتحرك الرئيس الصيني شي جين بينغ على مسارين دبلوماسيين متقاربين، يبدأ أولهما من نيودلهي للمشاركة في قمة «بريكس» يومي 12 و13 أيلول، في أول زيارة له إلى الهند منذ سبع سنوات، قبل أن تتجه الأنظار إلى واشنطن في وقت لاحق من الشهر للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتضع هذه التحركات بكين أمام ملفين يرتبطان بجانب كبير من تحدياتها الاقتصادية والاستراتيجية: إعادة تثبيت العلاقات مع الهند بعد سنوات من التوتر، وإدارة المنافسة المتصاعدة مع الولايات المتحدة في التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
الهند.. ترميم العلاقة دون إنهاء الخلافات
تأتي زيارة شي إلى الهند في ظل تحسن تدريجي في العلاقات بين البلدين بعد التوتر الذي أعقب المواجهة الحدودية عام 2020، والتي تسببت في سقوط قتلى من الجانبين وأدت إلى تراجع كبير في الاتصالات الاقتصادية والسياسية.
ومنذ ذلك الوقت، اتخذت نيودلهي وبكين خطوات لإعادة الاستقرار إلى العلاقة، شملت استئناف الرحلات المباشرة وتسهيل بعض إجراءات تأشيرات رجال الأعمال، إلى جانب تخفيف تدريجي لبعض القيود على التجارة والاستثمار. كما توصل البلدان في عام 2024 إلى تفاهمات بشأن خفض التوتر على الحدود واستكمال إجراءات فك الاشتباك.
لكن التحسن لا يعني انتهاء الخلافات. فما زالت الحدود المتنازع عليها حاضرة في الحسابات الأمنية، بينما تبقى الاستثمارات الصينية في قطاعات هندية حساسة والتحديات المرتبطة بتوريد بعض المعدات والتقنيات من أبرز الملفات العالقة.
في المقابل، أصبحت الصين أكبر مصدر للواردات الهندية، وبلغت قيمة الواردات الصينية إلى الهند نحو 132 مليار دولار خلال السنة المالية 2025-2026، ما يعكس عمق الاعتماد المتبادل بين اقتصادَي البلدين رغم التنافس السياسي والاستراتيجي.
انفتاح اقتصادي محسوب
وتتركز المحادثات المرتقبة بين شي ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على ملفات اقتصادية عدة، بينها الاستثمارات، وسلاسل الإمداد، وتسهيل حركة رجال الأعمال، والوصول إلى الأسواق.
وتسعى بكين إلى استعادة مساحة أكبر لشركاتها في السوق الهندية، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والصناعات المرتبطة بسلاسل الإمداد، بينما تريد نيودلهي معالجة القيود التي تواجه شركاتها في السوق الصينية وتحسين وصولها إلى المعدات والمكونات والتقنيات الضرورية للصناعة.
كما يبرز ملف المعادن الأرضية النادرة في المحادثات، إلى جانب تأشيرات الكفاءات الفنية والاستثمارات في قطاعات مثل الإلكترونيات والطاقة النظيفة.
وتشير هذه الملفات إلى أن الطرفين يحاولان الانتقال من مرحلة إدارة الخلافات إلى بناء علاقة تقوم على التعاون الاقتصادي مع إبقاء الملفات الأمنية والاستراتيجية تحت السيطرة.
لماذا تحتاج بكين إلى تهدئة العلاقة مع نيودلهي؟
تمثل الهند أحد أهم مراكز الثقل في آسيا، وأي تصعيد طويل الأمد معها يفرض على الصين إدارة جبهة إضافية في وقت تواجه فيه منافسة واسعة مع الولايات المتحدة.
لذلك، فإن تحسين العلاقات مع نيودلهي يمنح بكين مساحة أوسع للمناورة، ويقلل احتمالات تحوّل الخلافات الثنائية إلى عامل يدفع الهند نحو مزيد من التقارب الأمني والاقتصادي مع واشنطن.
وفي الوقت نفسه، لا تبدو نيودلهي مستعدة للتخلي عن علاقاتها مع الولايات المتحدة أو عن سياستها الرامية إلى تعزيز قدراتها الصناعية والتكنولوجية المحلية، ما يجعل العلاقة مع الصين أقرب إلى «تعايش تنافسي» منها إلى شراكة استراتيجية كاملة.
واشنطن.. الملف الأصعب
بعد الهند، تتجه الحسابات الصينية إلى الولايات المتحدة، مع بقاء التجارة والتكنولوجيا والمعادن الأرضية النادرة في قلب التوتر بين أكبر اقتصادين في العالم.
وتسعى بكين إلى تثبيت التهدئة التجارية ومنع عودة التصعيد المفاجئ في الرسوم والقيود على الصادرات والواردات، في وقت يمثل فيه الوصول إلى التقنيات المتقدمة وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي أحد أكثر الملفات حساسية.
كما تمثل المعادن الأرضية النادرة ورقة تفاوضية مهمة، في ظل اعتماد قطاعات صناعية أميركية واسعة على هذه المواد، مقابل مطالبة بكين بضمانات أوضح بشأن القيود التجارية والتكنولوجية.
ولا تقتصر المفاوضات على المعادن والتكنولوجيا، إذ يمكن أن تدخل المشتريات الزراعية والطاقة والسلع الأميركية ضمن أي تفاهم اقتصادي أوسع بين الطرفين.
جبهتان في وقت واحد
ويكشف التتابع الزمني للتحرك الصيني أن بكين تسعى إلى تقليل عدد الملفات المفتوحة في الوقت نفسه.
ففي نيودلهي، يحاول شي تثبيت التحسن في العلاقات مع الهند، وإعادة تنشيط التعاون الاقتصادي، ومنع الخلاف الحدودي من العودة إلى نقطة الصفر.
أما في واشنطن، فتتمثل الأولوية في الحفاظ على قدر من الاستقرار الاقتصادي، مع إدارة الخلافات المتعلقة بالتكنولوجيا والمعادن وسلاسل الإمداد.
وتشير المعطيات إلى أن البلدين الآسيويين يواصلان خطوات إعادة بناء العلاقات، لكنهما لم يتجاوزا بعد الملفات التي فجرت التوتر خلال السنوات الماضية.
اختبار لقدرة الصين على إدارة التنافس
وتواجه بكين في الوقت نفسه تباطؤاً في الاقتصاد العالمي وتنافساً متزايداً في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والصناعة، ما يجعل الاستقرار الخارجي أكثر أهمية بالنسبة إليها.
ومن هذا المنظور، لا يعني نجاح التحرك الصيني إنهاء المنافسة مع الهند أو الولايات المتحدة، بل تقليل احتمالات تحولها إلى أزمات متزامنة.
ويبدو أن الرهان الصيني يتمثل في إدارة الخلافات بدلاً من محاولة حسمها دفعة واحدة، مع إبقاء قنوات التجارة والاستثمار مفتوحة قدر الإمكان.
وبين نيودلهي وواشنطن، يسعى شي إلى تثبيت مساحة للمناورة تسمح لبكين بالتركيز على التكنولوجيا والنمو الداخلي، من دون فتح جبهات اقتصادية واستراتيجية جديدة في وقت واحد.
ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة الصين والهند والولايات المتحدة على فصل الملفات الاقتصادية عن الخلافات الأمنية والتكنولوجية، ومنع أي أزمة جديدة من إعادة العلاقات إلى مربع التصعيد.




