أخبــاربلاد الجوارتقارير

من السودان إلى باب المندب.. كيف تعيد إيران رسم المشهد البحري؟

توسّع إيران حضورها على امتداد البحر الأحمر، مستفيدة من علاقاتها العسكرية مع سلطات بورتسودان، ومن اعتماد الحوثيين المتزايد على الدعم الإيراني، في وقت تتعرض فيه مواقع ومخازن ومنشآت تابعة للجماعة في اليمن لضربات متكررة، بالتزامن مع تصعيد هجماتها قرب باب المندب والساحل الغربي.

ويمنح الساحل السوداني طهران مساحة إضافية لتوزيع بعض مهام الإسناد الفني واللوجستي المرتبطة بالحوثيين، بعيداً عن الاعتماد الكامل على الأراضي اليمنية.

وتكتسب هذه التحركات أهمية أكبر مع تصعيد الحوثيين خلال آب/أغسطس، إذ تسببت هجمات بالصواريخ والمسيّرات في تعليق العمل مؤقتاً بميناء المخا، وسقوط قتلى بين أفراد أطقم سفن، فيما ظل باب المندب ممراً رئيسياً لحركة الملاحة.

كما أشارت معلومات ظهرت خلال تموز/يوليو إلى نقل إيران قادة ومستشارين من الحرس الثوري ومكونات صاروخية ومعدات مرتبطة بالطائرات المسيّرة إلى اليمن، ما يعكس استمرار الدعم الإيراني لقدرات الحوثيين.

وظائف جديدة على الساحل السوداني

وأفاد مصدر أميركي مطلع على ملفات أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي بأن واشنطن رصدت خلال الفترة الأخيرة زيادة في الاتصالات بين جهات مرتبطة بالحرس الثوري ومسؤولين عسكريين وأمنيين في شرق السودان.

وبحسب المصدر، تزامنت هذه الاتصالات مع زيادة استخدام موانئ ومرافق خاضعة لسلطة حكومة بورتسودان لاستقبال شحنات وأفراد مرتبطين ببرامج تعاون عسكري مع إيران، ما أثار مخاوف أميركية من احتمال توظيف هذه الترتيبات ضمن حضور إيراني أوسع في البحر الأحمر.

وأشار المصدر إلى أن واشنطن تربط هذه التحركات بمساعي طهران للحفاظ على موطئ قدم ثابت على الضفة الغربية للبحر الأحمر، خصوصاً مع تزايد الضغط العسكري على البنية الحوثية في اليمن.

ويرى الجانب الأميركي أن وجود قنوات عمل منتظمة بين جهات إيرانية وسودانية على الساحل قد يمنح الحرس الثوري مساحة أكبر للحركة وتبادل الأفراد والمعدات، ويقلل من الاعتماد على المسار اليمني وحده.

كما تنظر واشنطن بقلق إلى احتمال تحول بورتسودان ومناطق أخرى في شرق السودان إلى نقاط ارتكاز لوجستية وسياسية تدعم الحضور الإيراني في البحر الأحمر، خصوصاً إذا استمرت السلطات السودانية في توسيع التعاون مع المؤسسات الإيرانية.

وتعود العلاقات العسكرية بين إيران وسلطات بورتسودان إلى السنوات الأولى من الحرب السودانية، إذ حصلت قوات عبد الفتاح البرهان على دعم بطائرات مسيّرة إيرانية منذ عام 2024، فيما أشارت تقارير إلى وصول طائرات من طراز «مهاجر-6» و«أبابيل» عبر بورتسودان، إلى جانب تقديم خبراء إيرانيين دعماً فنياً.

الحوثيون يبحثون عن مسارات خارج اليمن

وقال مصدر أمني يمني إن الضربات التي استهدفت مواقع ومخازن ومنشآت تابعة للحوثيين دفعت الجماعة إلى تشديد إجراءات إخفاء المعدات وتقليل الاعتماد على مواقع ثابتة لتخزين المكونات الحساسة.

وأضاف أن هذا التحول زاد أهمية المسارات الخارجية التي تستخدمها الجماعة للحصول على الدعم الفني والمواد التي يصعب تأمينها محلياً.

وبحسب المصدر، أصبحت الجماعة أكثر ميلاً إلى إدخال المعدات والمكونات عبر قنوات متعددة وبكميات أصغر، مع الاعتماد على شبكات مرتبطة بإيران لتوفير الخبرات والمساعدة الفنية.

وأشار إلى أن توسع العلاقات بين الحوثيين وجهات مرتبطة بإيران في شرق السودان قد يوفر منفذاً إضافياً للتدريب والخدمات الفنية واستقبال أفراد أو معدات خارج الأراضي اليمنية، خصوصاً إذا استمر الضغط العسكري على مواقع الجماعة قرب الساحل الغربي.

بورتسودان تدفع ثمن العلاقة

وقالت مصادر سودانية مطلعة إن سلطات بورتسودان وسعت خلال الفترة الأخيرة نطاق التعاون الفني والعسكري مع إيران، ضمن ترتيبات يشرف عليها مسؤولون عسكريون وأمنيون، بالتزامن مع زيادة استخدام مرافق في شرق البلاد لأغراض مرتبطة بالإمداد والصيانة والتخزين.

وأوضحت المصادر أن هذا التعاون بات أكثر ارتباطاً بحسابات الحرب والعلاقات الخارجية للسلطات السودانية، محذرة من أن استمرار توسيع الحضور الإيراني على الساحل قد يحول شرق السودان إلى جزء من صراع يتجاوز حدود الحرب الداخلية.

ويرى خبير في السياسات الأميركية في أفريقيا أن اعتماد حكومة بورتسودان المتزايد على الدعم العسكري الخارجي يجعلها أكثر استعداداً لقبول ترتيبات قد تحمل تداعيات استراتيجية بعيدة المدى.

وأضاف أن توسيع الحضور الإيراني في شرق السودان قد يزيد عزلة حكومة بورتسودان، ويدفع واشنطن إلى التعامل مع الحرب السودانية من منظور أوسع يتعلق بأمن البحر الأحمر.

ومع تزايد أهمية باب المندب في المواجهة الإقليمية، قد يتحول الساحل السوداني إلى حلقة إضافية في شبكة الدعم المرتبطة بإيران والحوثيين، ما يضع بورتسودان أمام ضغوط دولية متزايدة ويجعل البحر الأحمر ساحة أكثر تعقيداً للتنافس الإقليمي والدولي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى