أخبــاربوصلة الشامنبض الساعة

سوريا تقترب من قانون لحماية الأسرة

تعمل وزارة العدل السورية على إعداد مشروع قانون متكامل لمكافحة العنف الأسري، يتضمن إجراءات للوقاية والحماية وتنظيم آليات التعامل مع الضحايا، إلى جانب وضع عقوبات أكثر وضوحاً، تمهيداً لعرضه على مجلس الشعب.

ويأتي إعداد المشروع في وقت عاد فيه ملف حماية الأطفال والعنف داخل الأسرة إلى الواجهة، بعد حادثتي مقتل طفلتين في محافظة درعا خلال فترة زمنية متقاربة، ما أعاد النقاش حول الحاجة إلى منظومة قانونية أكثر شمولاً للتعامل مع هذه القضايا.

وكان وزير العدل مظهر الويس قد أعلن أن المشروع يهدف إلى تحديد مسؤوليات الجهات المعنية بحماية الأسرة، وتوفير ضمانات قانونية للضحايا، إلى جانب وضع آليات تتيح التدخل السريع عند وقوع حالات عنف.

وناقش برنامج “سوريا اليوم” ملامح المشروع مع عدد من المختصين، الذين أوضحوا أن القانون لا يزال في مرحلة الدراسة والصياغة، وقد تشهد بنوده تعديلات قبل وصوله إلى مجلس الشعب.

حماية الضحايا وتوسيع مفهوم العنف

قال الوكيل الإداري للمعهد العالي للقضاء سمير عبد القادر الجلول إن المشروع يركز على بناء منظومة تبدأ بالوقاية والحماية، وتشمل حماية المبلّغين عن حالات العنف، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر عرضة للخطر، مثل الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة والمرضى.

وأوضح أن فكرة المشروع بدأت قبل نحو عام، ويجري إعدادها بالتنسيق بين الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان ووزارات العدل والداخلية والصحة والشؤون الاجتماعية والعمل، إلى جانب جهات أخرى مرتبطة بملف الحماية.

وأشار إلى أن المشروع يتطلب استكمال المراجعة القانونية والفنية قبل عرضه على مجلس الشعب، الذي يحدد بدوره موعد مناقشته وفق جدول أعماله وأولوياته التشريعية.

ويتضمن المشروع صوراً من العنف قد لا تغطيها القوانين الحالية بشكل مباشر، مثل احتجاز الوثائق الشخصية، والتهديد بنشر الصور أو التسجيلات، والعنف الاقتصادي، إضافة إلى الاعتداءات الجسدية والنفسية.

وأوضح الجلول أن العقوبات المقترحة لا تزال قيد الصياغة، وستُحدد وفق طبيعة كل جريمة وحجم الضرر الناتج عنها.

آليات إبلاغ وخدمات حماية

من جهته، كشف مدير السياسات الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل واثق حلاق عن العمل على تطوير آلية سهلة وإلزامية للإبلاغ عن حالات العنف، خصوصاً بالنسبة للأطفال والنساء وذوي الإعاقة.

وأوضح أن الوزارة جهزت عدداً من المراكز لاستقبال الحالات التي تحتاج إلى تدخل قضائي أو اجتماعي، بالتوازي مع إعداد برنامج لإدارة حالات حماية الطفل ودعم الأسر.

وأشار إلى قرب إطلاق “خط المساعدة” لاستقبال البلاغات وتقديم الدعم المباشر، بما في ذلك الحالات التي تتطلب إبلاغاً إلزامياً وفق الإجراءات القانونية.

كما تعمل الوزارة على تطوير نظام إحالة يربط الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، بهدف تعزيز الكشف المبكر عن حالات العنف والوصول إلى الفئات الأكثر ضعفاً.

ولفت حلاق إلى أن مناطق شمال شرقي سوريا، ومنها دير الزور والحسكة والرقة، تحظى بأولوية ضمن برامج التوعية والحماية، خصوصاً في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها بعض المجتمعات المحلية.

قانون ضمن منظومة أوسع

ويرى حلاق أن انتشار العنف داخل الأسرة يرتبط بعوامل متراكمة، بينها آثار الحرب والنزوح والفقر والإدمان وتراجع شبكات الدعم، إضافة إلى اختلال العلاقات داخل بعض الأسر.

وأكد أن هذه الظروف تساعد في تفسير الظاهرة لكنها لا تبرر ارتكاب العنف، مشدداً على أن الحل يحتاج إلى الجمع بين التشريع والحماية الاجتماعية والتوعية والتدخل المبكر.

وأوضح أن القانون المرتقب لا ينبغي أن يكون مجرد أداة للعقاب، بل جزءاً من منظومة أوسع تهدف إلى معالجة الأسباب التي تزيد مخاطر العنف ودعم الأسر الأكثر هشاشة.

المدرسة والأسرة في دائرة الوقاية

من جانبها، أكدت الاختصاصية النفسية والاجتماعية علا شحادة أن إقرار القانون يمثل خطوة مهمة، لكنها شددت على أن الحد من العنف يحتاج إلى تعاون بين المؤسسات القانونية والاجتماعية والتعليمية.

وأشارت إلى أن وسائل الإعلام ومنصات التواصل ساهمت في كشف حالات كانت تبقى بعيدة عن الرصد، في ظل ضغوط نفسية واقتصادية أثرت في عدد من الأسر.

وأكدت أهمية تدريب الكوادر التعليمية على اكتشاف علامات تعرض الأطفال للعنف، وتعزيز قدرة المدارس على التواصل مع الأطفال وأسرهم عند ظهور مؤشرات تستدعي التدخل.

كما شددت على ضرورة تعليم الأطفال كيفية طلب المساعدة والتعبير عن تعرضهم للأذى، بدلاً من اعتبار العنف وسيلة طبيعية للتعامل مع المشكلات.

فجوة في البيانات الرسمية

وتشير بيانات أممية إلى أن نحو 8.6 ملايين شخص في سوريا يحتاجون إلى خدمات الوقاية والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، وتشكل النساء والفتيات النسبة الأكبر منهم.

ولا يمثل هذا الرقم حصيلة موثقة لضحايا العنف الأسري، في ظل غياب إحصاءات رسمية شاملة حول عدد الحالات والبلاغات المسجلة.

ويتزامن طرح مشروع القانون مع حادثتي مقتل طفلتين في محافظة درعا أثارتا اهتماماً واسعاً، بعدما فتحتا مجدداً النقاش حول حماية الأطفال وفعالية آليات التدخل في حالات الخطر.

ويرى مراقبون أن نجاح القانون لن يرتبط فقط بإقراره، بل بمدى قدرة المؤسسات على تطبيقه وتوفير خدمات الحماية والدعم، بما يحول التشريع من نص قانوني إلى منظومة فعلية لحماية الأسرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى