أنفاق تحت الأشرفية.. خطر يهدد أبنية حلب

أعاد انهيار مبنى سكني مؤلف من خمسة طوابق في حي الأشرفية بمدينة حلب، صباح الجمعة 6 آذار، مخاوف السكان من أوضاع الأبنية القديمة والأنفاق الممتدة تحت أجزاء من الحي، وسط تساؤلات عن مدى تأثير هذه البنية التحتية تحت الأرض في استقرار المباني.
ووصلت فرق الدفاع المدني إلى موقع الانهيار بعد ورود معلومات عن وجود أشخاص عالقين تحت الأنقاض، بالتزامن مع إخلاء عدد من الأبنية المجاورة احترازياً خشية وقوع انهيارات إضافية.
ولا توجد حتى الآن نتائج فنية معلنة تحسم السبب المباشر لانهيار المبنى أو تثبت ارتباطه بالأنفاق الموجودة تحت المنطقة. وتقول تقديرات هندسية إن مثل هذه الحوادث قد تنتج عن مجموعة عوامل متداخلة، بينها قدم المبنى، وضعف الأساسات، وتسرب المياه والصرف الصحي، وطبيعة التربة، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالأبنية خلال سنوات الحرب وزلزال شباط 2023.
فراغات تحت الأساسات
وتتمثل إحدى أبرز المخاطر المحتملة في تأثير الفراغات الموجودة تحت سطح الأرض في قدرة التربة على تحمل أوزان المباني. وقد يؤدي تغير خصائص التربة أو تحركها إلى هبوط غير متساوٍ في أجزاء من الأساسات، ما ينعكس على الجدران والأعمدة والعناصر الإنشائية الأخرى.
ولا يعني وجود نفق أسفل مبنى بالضرورة أن انهياره بات حتمياً، إذ يعتمد مستوى الخطر على عوامل عدة، بينها عمق النفق وعرضه، وطبيعة التربة، وطريقة الحفر والتدعيم، والمسافة الفاصلة بين النفق والأساسات، إضافة إلى الحالة الإنشائية للمبنى نفسه.
لكن اجتماع هذه العوامل مع مبنى قديم أو متضرر أو قائم فوق تربة ضعيفة يمكن أن يزيد مستوى المخاطر، خصوصاً في منطقة مكتظة تتقارب فيها الأبنية والأساسات.
ويخشى سكان الأشرفية من أن تكون بعض الأبنية قد تعرضت لأضرار إضافية خلال السنوات الماضية من دون إخضاعها لفحوص إنشائية شاملة، خصوصاً بعد الزلزال الذي ضرب المنطقة في شباط 2023.
أبنية قديمة ومخاطر متراكمة
تضم الأشرفية عدداً كبيراً من الأبنية التي يعود تاريخ إنشائها إلى عقود، وقد تعرض بعضها لعوامل متعددة، بينها الرطوبة وتسربات المياه وغياب الصيانة، إضافة إلى الأضرار الناتجة عن الحرب والاهتزازات والزلازل.
كما خضعت بعض المباني لتعديلات أو إضافات عمرانية من دون إجراء دراسات كافية حول قدرة الأساسات على تحمل الأحمال الجديدة.
وفي الظروف الطبيعية، يمكن ملاحظة بعض مؤشرات تدهور المبنى من خلال التشققات والرطوبة وتآكل الخرسانة أو ظهور حديد التسليح. لكن المشكلات المرتبطة بالتربة والفراغات الموجودة تحت الأساسات قد لا تكون ظاهرة على السطح، وقد تتطور تدريجياً قبل ظهور آثارها على المبنى.
ويزيد غياب خريطة معلنة لمسارات الأنفاق من مخاوف السكان، إذ لا تعرف كثير من العائلات ما إذا كانت منازلها تقع فوق شبكة تحت الأرض أو بالقرب منها، وما إذا كانت هذه الأنفاق مستقرة أو تعرضت أجزاء منها للانهيار أو تسربت إليها المياه.
شبكة أنفاق واسعة
وتشير تقديرات متداولة إلى وجود نحو 13 نفقاً رئيسياً مترابطاً تحت حيي الأشرفية والشيخ مقصود ومحيطهما، بامتداد إجمالي يقدر بأكثر من 30 كيلومتراً.
ولا تتكون هذه الشبكة من ممرات متشابهة، إذ تختلف الأنفاق من حيث الحجم والاستخدام، بينما تضم بعض أجزائها غرفاً جانبية ومواقع تخزين ونقاط تحصين وممرات متفرعة.
ويعني اختلاف أحجام هذه الفراغات أن تأثيرها المحتمل في التربة ليس متساوياً. فالممرات الضيقة تترك فراغاً محدوداً، في حين يمكن للغرف والممرات الواسعة أن تزيل كميات أكبر من التربة، ما قد يغير قدرة الأرض على توزيع الأحمال القادمة من الأبنية الموجودة فوقها.
كما يمكن أن تتداخل تأثيرات الأنفاق عندما تكون متقاربة أو مترابطة، ما يخلق مناطق ضعف داخل التربة بدلاً من اقتصار التأثير على مسار واحد.
الهبوط التفاضلي أبرز المخاطر
يعد الهبوط غير المتساوي للتربة من أبرز المخاطر المحتملة على الأبنية الواقعة فوق الفراغات الأرضية.
ويحدث ذلك عندما تهبط أجزاء من الأساسات بدرجات مختلفة، فتظهر التشققات عند نقاط اتصال الجدران والأسقف، وقد تمتد لاحقاً إلى العناصر الإنشائية الأساسية إذا استمرت حركة التربة.
ولا يقتصر التأثير المحتمل على المبنى الواقع فوق النفق مباشرة، إذ يمكن أن تنتقل الإجهادات عبر طبقات التربة إلى الأبنية المجاورة، خصوصاً في المناطق التي تتقارب فيها الأساسات.
كما أن انهيار جزء من نفق أو تسرب المياه إليه قد يؤدي إلى تحرك التربة المحيطة وتشكّل فراغات إضافية، ما يزيد احتمالات انتقال الهبوط إلى مناطق أخرى.
الحاجة إلى خريطة تحت الأرض
وتبرز الحاجة، قبل اتخاذ أي قرار بالردم أو الإغلاق، إلى تحديد المسارات الفعلية للأنفاق وتفرعاتها وأعماقها والغرف المرتبطة بها.
ويتطلب ذلك إجراء مسح جيوفيزيائي واستخدام تقنيات قادرة على الكشف عن الفراغات الموجودة تحت الأرض، ثم مقارنة نتائج المسح مع خرائط الأبنية والشوارع والمنشآت الحيوية.
ويمكن بعد ذلك تصنيف الأبنية وفق مستوى المخاطر، بدءاً من المباني التي تظهر عليها علامات هبوط أو تشققات متسعة أو ميلان، وصولاً إلى الأبنية التي تقع فوق أجزاء من الشبكة أو بالقرب منها من دون ظهور أضرار واضحة.
كما ينبغي فحص حالة الأنفاق نفسها، بما في ذلك الأجزاء المنهارة أو المغمورة بالمياه، لأن إغلاق مدخل ظاهر لا يعني بالضرورة معالجة كامل الشبكة.
كيف يمكن معالجة الأنفاق؟
لا تبدو عملية معالجة شبكة بهذا الحجم مهمة تقتصر على ردم المداخل أو إغلاقها، إذ قد يؤدي الردم العشوائي إلى نقل الضغط إلى أجزاء أخرى من التربة أو حبس المياه داخل الأنفاق، ما قد يخلق مخاطر جديدة.
ويفترض أن تبدأ المعالجة بمسح شامل يحدد الفراغات ومسارات الأنفاق، ثم تقييم الأبنية الواقعة ضمن نطاق تأثيرها.
وفي بعض الحالات، يمكن استخدام مواد إسمنتية مخصصة لملء الفراغات تحت الأرض، بينما قد تكون مواد خفيفة الوزن أكثر ملاءمة في مواقع أخرى لتجنب إضافة أحمال كبيرة إلى التربة أو الأساسات.
وقد تحتاج بعض أجزاء الشبكة إلى تدعيم مؤقت قبل البدء بعمليات الردم، خصوصاً في المواقع التي تكون فيها الأسقف أو الجدران الداخلية معرضة للانهيار.
ويجب أن تخضع عمليات الحقن والردم لضوابط هندسية دقيقة، لأن زيادة ضغط المواد المحقونة قد تؤثر في التربة أو الأساسات، في حين قد يؤدي الردم غير الكامل إلى إبقاء فراغات قادرة على التسبب في مشكلات مستقبلية.
الأبنية تحتاج إلى فحص بالتوازي
ولا يمكن فصل معالجة الأنفاق عن فحص الأبنية الواقعة فوقها أو بالقرب منها.
فبعض المباني قد تحتاج إلى تدعيم الأعمدة والجسور أو تقوية الأساسات، بينما قد تتطلب أبنية أخرى إخلاءً مؤقتاً إذا أظهرت الفحوص وجود فراغات واسعة بالقرب من أساساتها أو وجود هبوط مستمر في التربة.
كما ينبغي فحص شبكات المياه والصرف الصحي، لأن التسربات المستمرة يمكن أن تؤثر في التربة المحيطة بالأنفاق وتؤدي إلى تحرك الحبيبات وتشكّل فراغات جديدة.
وبذلك لا يكون النفق بالضرورة العامل الوحيد في أي مشكلة إنشائية، بل قد يتفاعل مع ضعف التربة وتسرب المياه وقدم الأبنية والأضرار السابقة.
لماذا لم تُعالج الشبكة بالكامل؟
يثير سكان المنطقة تساؤلات حول أسباب عدم تنفيذ معالجة شاملة للأنفاق حتى الآن، خصوصاً مع انتقال السيطرة على المنطقة وعودة المخاوف المتعلقة بسلامة الأبنية.
وتواجه أي عملية من هذا النوع تحديات فنية ومالية وأمنية، إذ إن شبكة تمتد لعشرات الكيلومترات تحت منطقة مأهولة تحتاج إلى فرق متخصصة وخرائط دقيقة وأجهزة مسح وعمليات تدعيم ومواد للردم، فضلاً عن الحاجة إلى مراقبة الأبنية أثناء تنفيذ الأعمال.
وتزداد الصعوبة إذا كانت أجزاء من الشبكة قد أغلقت أو تضررت أو انهارت، بينما بقيت مسارات أخرى غير معروفة، ما يجعل تحديد كامل امتدادها أمراً يحتاج إلى وقت وعمليات مسح ميدانية متخصصة.
كما قد تمتد بعض المسارات تحت طرق أو مدارس أو أسواق أو منشآت خدمية، ما يفرض تنسيقاً بين الجهات المسؤولة عن البناء والدفاع المدني والمياه والصرف الصحي والكهرباء والبلديات.
بين الخطر الهندسي والقلق اليومي
ولا يقتصر ملف الأنفاق في الأشرفية والشيخ مقصود على الجانب الهندسي، إذ يرتبط أيضاً بمخاوف السكان الذين يعيشون في أبنية قديمة أو متضررة ولا يملكون معلومات كافية عن طبيعة الأرض أسفل منازلهم.
ويطالب السكان بإجراء مسح شامل وإعلان نتائجه، إلى جانب تحديد الأبنية التي تحتاج إلى فحص أو تدعيم أو إخلاء مؤقت.
كما يمكن إنشاء فرق ميدانية لمراقبة التشققات والهبوط وتلقي بلاغات السكان، وربط هذه المعلومات بخرائط تحدد مواقع الأنفاق والمباني الواقعة ضمن نطاق تأثيرها.
وتتطلب المعالجة، في نهاية المطاف، العمل على ثلاثة مسارات متوازية: فحص شبكة الأنفاق وتأمينها أو إغلاقها هندسياً، تقييم الأبنية وتدعيم المتضرر منها، ومعالجة مشكلات المياه والصرف الصحي.
وفي ظل غياب تقييم هندسي شامل ومعلومات واضحة عن شبكة الأنفاق، يبقى من الصعب تحديد مدى ارتباط أي انهيار أو تشقق بها، كما يبقى السكان أمام مخاطر محتملة تتداخل فيها عوامل عمر الأبنية والتربة والمياه والأضرار السابقة والفراغات الموجودة تحت سطح الأرض.




