الطيبة شمال رام الله.. قرية مسيحية تواجه شبح الهجرة

تواجه قرية الطيبة، الواقعة شمال شرقي رام الله في الضفة الغربية، ضغوطاً أمنية واقتصادية متزايدة يقول سكان إنها دفعت عائلات وشباناً إلى مغادرة القرية، وسط مخاوف من اتساع نطاق الهجرة وتحولها من خيار بحثاً عن فرص أفضل إلى وسيلة للبحث عن الأمان.
وتسلط تقارير إعلامية الضوء على واقع القرية ذات الغالبية المسيحية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 1200 نسمة، في ظل شكاوى من اعتداءات وأضرار طالت ممتلكات ومركبات ومعدات زراعية، إلى جانب صعوبات يواجهها المزارعون في الوصول إلى أراضيهم.
قيود أمنية لا تبدد المخاوف
وأعلن الجيش الإسرائيلي، الاثنين، الطيبة منطقة عسكرية مغلقة بموجب أمر أصدره قائد المنطقة الوسطى، في خطوة قيل إنها تهدف إلى الحد من الاعتداءات في المنطقة.
لكن سكاناً في القرية يقولون إن الإجراءات الأمنية لم تنجح حتى الآن في إعادة الشعور بالأمان، مشيرين إلى استمرار مشاهدة مستوطنين في محيط القرية.
وتقول ماديس خوري، التي تعمل في قطاع السياحة وفي أحد المصانع المحلية، إن إعلان المنطقة عسكرية مغلقة لا يجيب عن سؤال السكان بشأن الجهة التي تستفيد فعلياً من هذه القيود، مشيرة إلى استمرار وجود مستوطنين قرب مدخل القرية.
اعتداءات تضغط على الحياة اليومية
ويقول سكان إن الأشهر والسنوات الأخيرة شهدت تغيراً ملحوظاً في طبيعة الحياة داخل الطيبة، مع تكرار حوادث تخريب للممتلكات وإحراق مركبات ومعدات زراعية، فضلاً عن حوادث خلال موسم قطف الزيتون.
ويشير سكان إلى أن المزارعين يواجهون صعوبات في الوصول إلى أراضيهم، ما ينعكس على مصادر دخلهم، بينما تأثرت الأنشطة التجارية والسياحية نتيجة تراجع الحركة داخل القرية.
وقال رئيس المجلس البلدي سليمان خوري إن المشكلة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت مرتبطة بمخاوف السكان على أطفالهم ومستقبل عائلاتهم.
عشرات السكان غادروا
وبحسب رئيس المجلس البلدي، غادرت نحو 15 عائلة، إلى جانب عشرات الشبان، القرية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ويقدر عدد المغادرين بنحو 80 إلى 90 شخصاً.
ومن بين الحالات رجل في الثلاثينيات من عمره غادر مع زوجته وأطفاله الثلاثة إلى الأردن بحثاً عن الأمان وفرصة لبدء حياة جديدة.
ويقول سكان إن عائلات أخرى تدرس مغادرة القرية، في وقت باتت فيه الهجرة موضوعاً متكرراً في النقاشات داخل المجتمع المحلي.
هجرة قديمة.. ودوافع جديدة
ولا تُعد الهجرة ظاهرة جديدة في الطيبة، إذ غادر أبناء القرية على مدى أجيال بحثاً عن التعليم والعمل والفرص الاقتصادية.
وتشير تقديرات محلية إلى وجود نحو 16 ألفاً من أبناء الطيبة في دول مختلفة، بينها الولايات المتحدة ودول أوروبية وأخرى في أميركا اللاتينية.
لكن سكاناً يقولون إن الدافع تغير لدى شريحة من الشباب. فبدلاً من الهجرة بحثاً عن فرص اقتصادية، أصبح بعضهم يفكر في مغادرة القرية بسبب المخاوف الأمنية وعدم وضوح المستقبل.
ويروي أحد سكان القرية أن شباناً تواصلوا معه للاستفسار عن إجراءات الحصول على تأشيرات والوجهات الممكنة وفرص العمل في الخارج، رغم امتلاك بعضهم وظائف وأراضي ومشاريع داخل الطيبة.
تراجع السكان ينعكس على الأجيال
ويقول السكان إن تراجع عدد الشباب بدأ ينعكس على الحياة الاجتماعية والتعليمية في القرية.
ويروي أحد أبناء الطيبة، البالغ 37 عاماً، أن صفه الدراسي كان يضم نحو 25 طالباً عندما كان صغيراً، بينما لم يبق من زملائه في القرية سوى شخص واحد، قبل أن تنتقل زميلته الأخرى إلى رام الله بعد زواجها.
ويعكس هذا المثال، وفق سكان، التحدي الديموغرافي الذي تواجهه القرية، خصوصاً إذا استمرت هجرة الشباب في سن تكوين الأسر وبناء مستقبلهم.
الكنيسة أمام تحدٍ جديد
وتتابع الكنيسة المحلية هذه التطورات، مع تحول الهجرة إلى موضوع متكرر في اللقاءات مع الشباب والعائلات.
وقال الأب بشار فواضلة، كاهن الرعية اللاتينية، إن عدداً من الشباب غادروا خلال العام الماضي، مشيراً إلى أن بعضهم لا يرى آفاقاً واضحة للاستمرار في القرية.
وتوفر الكنيسة دعماً اجتماعياً وروحياً للسكان، فيما يحاول المجلس المحلي والأسر الممتدة مساعدة العائلات في مواجهة الظروف الصعبة، لكن هذه الجهات لا تستطيع معالجة المخاوف الأمنية أو ضمان قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم دون مشاكل.
الزراعة والسياحة تحت الضغط
اعتمد اقتصاد الطيبة لسنوات على الزراعة والتجارة والسياحة، وهي قطاعات يقول السكان إنها تأثرت بشدة خلال الفترة الأخيرة.
ويواجه المزارعون خسائر عندما يتعذر عليهم الوصول إلى أراضيهم، فيما تراجعت الحركة التجارية، بينما تأثرت السياحة التي كانت تمثل أحد أبرز الأنشطة الاقتصادية في القرية.
ويقول السكان إن استمرار هذه الظروف قد يجعل الأزمة الاقتصادية عاملاً إضافياً يدفع الشباب إلى التفكير في المغادرة، حتى بالنسبة إلى من لا يعانون أصلاً من ضائقة مالية.
مستقبل القرية في الميزان
وحاول سكان الطيبة إيصال مطالبهم إلى جهات دبلوماسية وإلى السلطة الفلسطينية، كما زار مسؤولون ودبلوماسيون القرية، لكن السكان يقولون إن هذه التحركات لم تؤدِ إلى تغيير ملموس في واقعهم اليومي.
وبالنسبة إلى أهالي الطيبة، لا يتعلق الأمر بالرغبة في مغادرة القرية، بقدر ما يتعلق بالحاجة إلى ظروف تسمح لهم بالبقاء فيها بأمان وبناء مستقبل لأبنائهم.
ومع استمرار المخاوف الأمنية وتراجع النشاط الاقتصادي وهجرة بعض العائلات والشباب، تواجه الطيبة سؤالاً يتجاوز كيفية تحسين الحياة اليومية: هل تستطيع القرية الحفاظ على سكانها وهويتها إذا استمرت الظروف الحالية؟




