الشرق الأوسط يستنزف واشنطن.. والصين تقترب من ملء الفراغ

لم يكن وصول حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» إلى بحر العرب مجرد تحرك عسكري إضافي في الشرق الأوسط، بل جاء في وقت تواجه فيه البحرية الأميركية ضغوطًا متزايدة على مستوى انتشار حاملات الطائرات وصيانتها، ما أدى إلى ترك غرب المحيط الهادئ من دون حاملة طائرات أميركية عاملة للمرة الأولى منذ عقود.
ووصلت «جورج واشنطن» إلى منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأميركية بهدف تعويض حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»، التي خضعت لانتشار طويل في المنطقة. ووفق تقارير إعلامية، أدى طول فترة الانتشار إلى إرهاق طاقم الحاملة وزيادة الضغوط التشغيلية عليها.
لكن نقل «جورج واشنطن» من قاعدتها في اليابان إلى الشرق الأوسط ترك في المقابل فراغًا في منطقة غرب المحيط الهادئ، التي تشهد نشاطًا عسكريًا متزايدًا من الصين وكوريا الشمالية وروسيا.
وتكشف هذه الخطوة عن معضلة تواجه واشنطن في توزيع قدراتها البحرية بين مناطق جغرافية متعددة، خصوصًا مع استمرار الضغوط العسكرية في الشرق الأوسط، بالتزامن مع اعتبار منطقة المحيطين الهندي والهادئ ساحة رئيسية للمنافسة الاستراتيجية الأميركية مع الصين.
ضغط متزايد على حاملات الطائرات
ولا يقتصر التحدي على توزيع الحاملات، بل يمتد إلى عمليات الصيانة والإصلاح التي تواجه بدورها ضغوطًا متراكمة.
وعادة ما يستمر انتشار حاملة الطائرات بين 6 و7 أشهر، قبل دخولها في مراحل الصيانة اللازمة للحفاظ على جاهزيتها. إلا أن متطلبات العمليات العسكرية خلال السنوات الأخيرة أدت إلى تمديد فترات انتشار عدد من الحاملات، ما انعكس لاحقًا على جداول الصيانة.
ومن أبرز الأمثلة حاملة الطائرات «جيرالد آر. فورد»، التي خضعت لانتشار استمر 11 شهرًا قبل عودتها إلى أحواض نورفولك للصيانة.
وتزامنت أعمال الصيانة مع حادث حريق داخل السفينة استمر أكثر من 30 ساعة، ما أضاف أعمال إصلاح إلى جدولها وأدى إلى زيادة فترة توقفها.
تأخيرات في بناء الحاملات
وتواجه البحرية الأميركية تحديات أخرى مرتبطة ببرامج بناء وتجهيز حاملات الطائرات الجديدة.
فحاملة «جون ف. كينيدي»، التي كان من المقرر تسليمها عام 2022، تأخر دخولها إلى الخدمة، مع توقعات بأن يتم ذلك في آذار/مارس 2027. وترتبط التأخيرات، من بين عوامل أخرى، بصعوبات في دمج أنظمة تكنولوجية متقدمة، بينها نظام توقيف الطائرات والمصاعد الكهرومغناطيسية.
وفي محاولة للحفاظ على عدد الحاملات المتاحة، اضطرت البحرية الأميركية إلى تأجيل إخراج حاملة «نيميتز» القديمة من الخدمة.
كما تخضع حاملة «جون ك. ستينيس» منذ أيار/مايو 2021 لأعمال تحديث شاملة في منتصف عمرها التشغيلي، إلى جانب إعادة تزويدها بالوقود النووي. وكان من المخطط الانتهاء من الأعمال في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لكن التأخيرات أدت إلى تمديد فترة بقائها خارج الخدمة.
وتزيد محدودية أحواض الصيانة القادرة على تنفيذ هذه العمليات المعقدة من صعوبة معالجة التراكم. وفي هذا السياق، لا تزال حاملة «هاري إس. ترومان» في نورفولك بانتظار دخولها مرحلة الصيانة، من دون جدول زمني واضح.
عودة محدودة إلى الخدمة
في المقابل، من المتوقع أن تعود حاملة «رونالد ريغان» إلى الخدمة في نهاية آب/أغسطس 2026، بعد خضوعها لأعمال صيانة استمرت نحو 17 شهرًا.
لكن عودة الحاملة لا تلغي الضغوط التي تواجهها البحرية الأميركية، في ظل تداخل عوامل عدة تشمل طول فترات الانتشار، وإرهاق الطواقم، وتأخر أعمال الصيانة، إضافة إلى التأخر في تسليم بعض الحاملات الجديدة.
وبالتالي، فإن نقل «جورج واشنطن» إلى بحر العرب يعكس تحديًا أوسع أمام واشنطن يتعلق بكيفية توزيع قدراتها البحرية بين الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
فزيادة الحضور العسكري الأميركي في إحدى الجبهات قد تعني تقليص القدرات المتاحة في جبهة أخرى، في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة الحفاظ على وجود عسكري متزامن في مناطق تعتبرها أساسية لأمنها ومصالحها الاستراتيجية.




