أخبــاربلاد الشامنبض الساعةهيدلاينز

إسرائيل بين الانسحاب والتمسك بشروطها جنوب لبنان

لم تُنهِ الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في روما الجدل بشأن مفهوم “المناطق التجريبية”، لكنها دفعت بهذا الطرح نحو مرحلة أكثر قرباً من التطبيق. فقد تم التوافق على مبادئ عامة لآلية تبدأ بانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق محددة، يتبعها انتشار الجيش اللبناني والتحقق من خلو المنطقة من أي مظاهر مسلحة، قبل الانتقال تدريجياً إلى مناطق أخرى.

وعلى المستوى الميداني، قد يقود هذا المسار إلى تفكيك المناطق التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية جنوب لبنان، والمرتبطة بما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو نطاق فرضته إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية ويختلف عن “الخط الأزرق” المعتمد لترسيم الحدود. إلا أن التساؤلات لا تزال قائمة حول طبيعة المرحلة التي ستلي الانسحاب، وما إذا كان سيعني نهاية الوجود الأمني الإسرائيلي أم إعادة صياغته بأساليب مختلفة.

فحتى في حال انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش اللبناني بدلاً منها، مع وجود آليات مراقبة دولية، يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بمن يحدد مفهوم الأمن وشروط الاستقرار. إذ قد تنتقل إسرائيل من الوجود العسكري المباشر إلى دور يعتمد على مراقبة الالتزامات وتقييم مدى تنفيذ الترتيبات الأمنية، ما يثير نقاشاً حول حدود هذا الدور ومدته.

من المنطقة الأمنية القديمة إلى ترتيبات جديدة

تستعيد التطورات الحالية بعض جوانب تجربة المنطقة الأمنية التي أقامتها إسرائيل في جنوب لبنان قبل انسحاب عام 2000، رغم اختلاف الظروف والأدوات. فقد ارتبط ذلك الوجود سابقاً بهدف حماية المناطق الشمالية الإسرائيلية، لكنه تحول إلى ملف عسكري وسياسي معقد استمر لسنوات طويلة.

أما المرحلة الحالية فتختلف من ناحية أن إسرائيل قد لا تسعى إلى إدارة المناطق بشكل مباشر أو إنشاء ترتيبات محلية مشابهة لتلك التي كانت قائمة سابقاً، بل قد تعتمد على وجود الجيش اللبناني وآليات رقابة لضمان تنفيذ الشروط الأمنية التي تطالب بها.

ومن هنا ظهر مفهوم “المنطقة الأمنية بلا جنود”، أي انسحاب القوات من الأرض مع استمرار التأثير في تحديد المعايير الأمنية، ومراقبة تنفيذ التفاهمات، وتقييم إمكانية الانتقال من مرحلة إلى أخرى.

من يحدد مفهوم الأمن بعد الانسحاب؟

يركز الموقف اللبناني على أن انتشار الجيش وحصر السلاح بيد الدولة يمثلان أساساً لاستعادة دور المؤسسات الرسمية وتعزيز السيادة على كامل الأراضي. لكن التحدي الأساسي يتمثل في طبيعة المعايير التي ستحدد نجاح هذه الترتيبات والجهة التي ستملك صلاحية تقييمها.

وتبرز مخاوف من أن يتحول الانسحاب إلى عملية مرتبطة بشروط مفتوحة زمنياً، خصوصاً مع استمرار الخلاف حول تعريف التهديدات الأمنية وما الذي يعنيه إنهاء القدرات العسكرية لأي طرف داخل الجنوب.

لذلك، فإن تقييم نجاح المفاوضات لن يعتمد فقط على عدد المواقع التي تغادرها القوات الإسرائيلية، بل على طبيعة الوضع الذي سينشأ بعد ذلك. فالمعيار الأساسي سيكون مدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها وإدارة أمن المنطقة، دون تحول الترتيبات المؤقتة إلى آلية دائمة للتدخل في شؤون الجنوب.

وفي النهاية، لا يُقاس الانسحاب الحقيقي بعدد الجنود الذين يغادرون الأرض فقط، بل بمدى انتقال القرار الأمني والسيادي إلى المؤسسات اللبنانية. فإذا أصبح الجيش اللبناني صاحب السلطة الكاملة على المناطق التي ينسحب منها الجانب الإسرائيلي، تكون مرحلة المنطقة الأمنية قد انتهت فعلياً. أما إذا استمر تحديد شروط الأمن والانتشار والعودة من خارج الحدود، فقد يتغير شكل المنطقة الأمنية دون أن ينتهي مفهومها بالكامل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى