
أعلنت مديرية الإعلام في رئاسة الجمهورية العربية السورية أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يعتزم إجراء زيارة رسمية إلى دمشق، في خطوة تُعد الأولى من نوعها لرئيس غربي منذ التغيير السياسي الذي شهدته سوريا نهاية عام 2024. ومن المقرر أن يرافق ماكرون وفد يضم ممثلين عن شركات ومستثمرين فرنسيين، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع التعاون الاقتصادي، إلى جانب مناقشة ملفات سياسية وإقليمية.
وتأتي الزيارة المرتقبة تتويجًا لمسار من التقارب بين باريس ودمشق بدأ عقب سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، بعد أكثر من عقد من القطيعة السياسية والدبلوماسية. وخلال الأشهر الماضية، انتقلت العلاقات بين البلدين تدريجيًا من مرحلة العزلة إلى الانفتاح، عبر استئناف الاتصالات الرسمية، وتبادل الزيارات، وصولًا إلى التحضير لأول زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا في عهدها الجديد.
تحرك فرنسي مبكر
كانت فرنسا من أوائل الدول الأوروبية التي تحركت بعد التغيير السياسي في دمشق. فبعد أيام قليلة من سقوط النظام السابق، قدمت باريس إلى شركائها في الاتحاد الأوروبي ورقة سياسية تناولت آليات التعامل مع المرحلة الجديدة في سوريا، دعت فيها إلى تبني مقاربة مختلفة تقوم على دعم الاستقرار والانخراط مع السلطات الجديدة، بدلًا من الاكتفاء بسياسة العزلة والعقوبات.
ورأت باريس أن التطورات في سوريا أحدثت تحولًا مهمًا في موازين القوى الإقليمية، مع تراجع النفوذ الروسي والإيراني داخل البلاد، معتبرة أن المرحلة الجديدة تتيح إعادة صياغة مقاربة أوروبية أكثر فاعلية تجاه دمشق، بما ينعكس على استقرار المنطقة، ولا سيما في لبنان والعراق.
كما دعت إلى استخدام نظام العقوبات الأوروبي باعتباره أداة لدعم المرحلة الانتقالية وتشجيع الإصلاحات، وليس وسيلة للعقاب فقط، مع فتح قنوات تواصل مع الحكومة السورية الجديدة.
عودة العلاقات الدبلوماسية
سرعان ما تحولت هذه الرؤية إلى خطوات عملية، إذ أوفدت فرنسا بعثة دبلوماسية إلى دمشق في ديسمبر 2024، أعادت خلالها فتح سفارتها بعد إغلاق دام منذ عام 2012، في خطوة عُدت مؤشرًا واضحًا على استئناف العلاقات الرسمية بين البلدين.
وفي مطلع عام 2025، زار وزير الخارجية الفرنسي دمشق ضمن جولة أوروبية، شهدت الإعلان عن استئناف النشاط الدبلوماسي الفرنسي، وبدء مرحلة جديدة من التواصل السياسي مع السلطات السورية.
كما لعبت باريس دورًا بارزًا في الاجتماعات والمؤتمرات الدولية الخاصة بسوريا، وأسهمت في الدفع نحو تعزيز الدعم الدولي للحكومة الانتقالية، واحتضنت مؤتمرًا دوليًا خُصص لمناقشة مستقبل البلاد، ركز على دعم المرحلة الانتقالية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز مسار الإصلاح السياسي.
وشهدت هذه المرحلة أيضًا استقبال الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الإليزيه، في أول زيارة رسمية لرئيس سوري إلى دولة غربية منذ توليه السلطة، ما شكل محطة مفصلية في مسار إعادة العلاقات بين البلدين.
رهان على المرحلة الجديدة
لا يقتصر الانفتاح الفرنسي على إعادة العلاقات الدبلوماسية، بل يرتبط أيضًا بحسابات سياسية واقتصادية وأمنية أوسع. فباريس تسعى إلى استعادة حضورها التقليدي في المشرق العربي، مستفيدة من التحولات التي شهدتها المنطقة بعد سقوط النظام السوري، وما رافقها من تغيرات في موازين النفوذ الإقليمي.
كما تنظر فرنسا إلى سوريا باعتبارها ساحة مهمة للحفاظ على دور أوروبي فاعل في المنطقة، في ظل تنامي أدوار قوى إقليمية أخرى، وهو ما يدفعها إلى تكثيف حضورها السياسي والاقتصادي في دمشق.
ويحظى ملف إعادة الإعمار باهتمام خاص في التحرك الفرنسي، إذ ترى باريس أن الشركات الأوروبية تمتلك فرصًا كبيرة للمشاركة في مشاريع إعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد السوري، الأمر الذي يتطلب إعادة تطبيع العلاقات السياسية مع الحكومة الجديدة.
وعلى الصعيد الأمني، تعتبر فرنسا أن استقرار سوريا يمثل عنصرًا أساسيًا في أمن أوروبا، سواء من خلال الحد من مخاطر التنظيمات المتطرفة، أو تقليص موجات الهجرة غير النظامية، أو منع تحول الأراضي السورية مجددًا إلى بؤرة صراع إقليمي.
كما تشير التقديرات إلى وجود اهتمام فرنسي بالمساهمة في إعادة تأهيل مؤسسات الدولة السورية، بما في ذلك المؤسسة العسكرية، ضمن رؤية تستهدف دعم بناء مؤسسات وطنية موحدة قادرة على ترسيخ الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية.
وتعكس الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إلى دمشق حجم التحول الذي شهدته العلاقات السورية الفرنسية خلال الأشهر الأخيرة، بعد سنوات طويلة من القطيعة، كما تؤكد رغبة الجانبين في فتح صفحة جديدة تقوم على التعاون السياسي والاقتصادي، ومواكبة مرحلة إعادة بناء الدولة السورية.




