فرنسا تعود إلى سوريا… نفوذ يتجاوز السياسة

غادر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دمشق في السابع من تموز الجاري بعد أن عزز حضور بلاده في عدد من الملفات الحيوية، أبرزها الطاقة والنقل والمصارف وإعادة الإعمار.
وكشفت التفاهمات التي رافقت الزيارة عن توجه فرنسي لربط الانفتاح السياسي على سوريا بمصالح اقتصادية بعيدة المدى تمتد إلى سوريا ولبنان وشرق المتوسط، في وقت يبقى تحويل هذه الاتفاقات إلى مشاريع فعلية مرتبطاً بتوافر التمويل واستقرار الظروف الأمنية والقانونية.
واختار ماكرون دمشق في المرحلة الأخيرة من ولايته الرئاسية لتثبيت الدور الفرنسي في مرحلة تشهد إعادة تشكيل شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية لسوريا. وجمعت الزيارة بين اللقاءات السياسية مع القيادة السورية وفتح المجال أمام شركات فرنسية عاملة في مجالات الشحن والطاقة والخدمات المالية والبنية التحتية، في محاولة لحجز موقع مبكر داخل قطاعات قد تكون مؤثرة في مستقبل الاقتصاد السوري.
ويُختبر النفوذ الفرنسي في سوريا بمدى قدرة باريس على تحويل الحضور السياسي إلى استثمارات ومشاريع ملموسة، إذ ستحدد قدرة الشركات الفرنسية على التنفيذ وحجم التمويل المتاح واستمرارية العلاقات السياسية مستقبل هذا الدور، في ظل منافسة إقليمية ودولية على سوق إعادة الإعمار وموقع سوريا الجغرافي بين العراق ولبنان وتركيا والبحر المتوسط.
تعاون يتجاوز السياسة
تنظر باريس إلى علاقتها الجديدة مع دمشق ضمن إطار أوروبي أوسع يهدف إلى إعادة تنظيم التعامل مع سوريا، مستفيدة من أدواتها الدبلوماسية وخبرتها داخل المؤسسات الأوروبية. ويمنحها ذلك فرصة للعب دور يتجاوز حجم استثماراتها المباشرة عبر تسهيل الوصول إلى قنوات التمويل الدولية والمساهمة في بناء الأطر التنظيمية التي تحتاجها الشركات الأجنبية.
ويبرز لبنان كجزء أساسي من الحسابات الفرنسية تجاه سوريا، نظراً للترابط الجغرافي والأمني والاقتصادي بين البلدين، إضافة إلى تأثير أي تطورات في دمشق على المصالح الفرنسية في بيروت وشرق المتوسط.
غير أن الدور الفرنسي يبقى مرتبطاً بقدرة باريس على الموازنة بين طموحاتها الاقتصادية والاعتبارات السياسية الداخلية والأوروبية، خصوصاً مع استمرار النقاش حول طبيعة العلاقة مع دمشق وشروط الانفتاح عليها.
الاقتصاد بوابة النفوذ
برز قطاع النقل كأحد أبرز مجالات الحضور الفرنسي، مع اهتمام مجموعة تعمل في مجال الشحن والخدمات اللوجستية بتوسيع نشاطها ضمن منظومة النقل السورية، بعد عقود سابقة مرتبطة بإدارة وتشغيل مرافق بحرية وبرية. ويمنح هذا التوجه الشركات الفرنسية فرصة للتمركز في حركة التجارة ونقل البضائع مع اقتراب أي مشاريع مستقبلية لإعادة الإعمار.
ويعكس التركيز على الموانئ والمطارات والنقل البري حاجة سوريا إلى إعادة ربط مراكز الإنتاج والمنافذ الحدودية، كما يمنح الشركات الأجنبية موقعاً مهماً في إدارة تدفقات السلع ومواد البناء والطاقة.
وفي قطاع الطاقة، طرحت شركات فرنسية كبرى أفكاراً تتعلق بإمكانية الاستفادة من موقع سوريا في مشاريع نقل الطاقة الإقليمية، خصوصاً في ما يتعلق بربط الموارد العراقية بموانئ البحر المتوسط. إلا أن تنفيذ هذه المشاريع يحتاج إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية، إضافة إلى تفاهمات إقليمية وضمانات أمنية وتمويل طويل الأجل.
من الانفتاح السياسي إلى المصالح الاقتصادية
ترى باريس أن الانتقال من العلاقات السياسية إلى التعاون الاقتصادي يتطلب بناء شراكات عملية تشمل قطاعات المصارف والطيران المدني والمياه والطرق والطاقة. ولهذا ركزت التفاهمات بين الجانبين على دعم المؤسسات الاقتصادية وتهيئة الظروف التي تسمح بعودة الاستثمارات الأجنبية.
كما تسعى فرنسا إلى الاستفادة من خبرة شركاتها ومن علاقاتها مع المؤسسات المالية الدولية لتكون جزءاً من مرحلة إعادة تنظيم الاقتصاد السوري، من دون تحمل كامل تكاليف إعادة الإعمار، التي تحتاج إلى مشاركة دولية واسعة.
وتمنح الجغرافيا السورية فرنسا فرصة للارتباط بملفات شرق المتوسط، عبر الموانئ والطاقة والحدود مع لبنان والقرب من تركيا وقبرص، ما يجعل سوريا جزءاً من حسابات أوسع تتعلق بالتجارة والطاقة والأمن الإقليمي.
لكن نجاح الرهان الفرنسي سيبقى مرتبطاً بقدرة باريس على جمع الخبرة الاستثمارية مع التمويل الدولي والإقليمي، إضافة إلى توفر بيئة مستقرة تحمي المشاريع وتوضح قواعد الاستثمار والملكية والعقود، في سوق إعادة إعمار تتنافس عليه قوى عدة.




