المد القومي في إيران يعقد التفاهم مع واشنطن

تفرض موجة متصاعدة من المشاعر القومية في إيران ضغوطاً متزايدة على فريق التفاوض، ما يزيد من تعقيد فرص التوصل إلى اتفاق دائم مع الولايات المتحدة، ويمنح التيار المتشدد مساحة أوسع لرفض أي تنازلات، رغم حاجة طهران إلى تخفيف العقوبات واحتواء التوتر.
وجاء هذا التحول بعد الحرب الأخيرة، التي عززت الخطاب الوطني داخل إيران، قبل أن تتوسع هذه الأجواء خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل، لتتحول لاحقاً إلى ورقة ضغط يستخدمها المحافظون والمتشددون لتقييد هامش حركة المفاوضين في أي محادثات مع واشنطن.
مضيق هرمز محور الخلاف
أسهمت التطورات الداخلية في تعقيد تنفيذ الاتفاق المبدئي الذي أُعلن قبل نحو شهر لإنهاء الحرب، وكان من أبرز أهدافه إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.
ورغم إعلان إيران موافقتها على إعادة فتح المضيق ضمن إطار زمني محدد، استمرت التوترات البحرية في المنطقة، وسط تأكيدات من أطراف داخلية على أهمية الحفاظ على النفوذ الإيراني في هذا الممر الاستراتيجي.
في المقابل، أعادت الولايات المتحدة تشديد الضغوط على إيران، معلنة إجراءات تستهدف الموانئ الإيرانية، بالتزامن مع استمرار عملياتها العسكرية ضد أهداف إيرانية، بينما لم تنجح جهود الوساطة في إعادة إطلاق المحادثات، مع تجدد التصعيد وإعلان إغلاق مضيق هرمز مرة أخرى.
كما برزت اعتراضات داخلية على أي تفاوض يتعلق بالإدارة المستقبلية للمضيق، وسط تأكيدات من شخصيات سياسية وعسكرية على استمرار السيطرة الإيرانية عليه مهما كانت الظروف.
ضغوط داخلية على فريق التفاوض
تشير تقديرات إلى أن أي محاولة للتوصل إلى تفاهمات بشأن مضيق هرمز تواجه معارضة من التيار المتشدد، رغم وجود مؤشرات على رغبة بعض المسؤولين الإيرانيين في البحث عن حلول وسط عبر القنوات الدبلوماسية.
وامتدت الضغوط إلى الشارع، إذ شهدت مراسم التشييع هتافات معارضة لفريق التفاوض والرئيس الإيراني، كما تعرض وزير الخارجية لمضايقات من حشود رفعت شعارات تدعو إلى الانتقام، قبل أن تدين الحكومة لاحقاً تلك الهتافات.
وفي حادثة أخرى، أوقفت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية بثاً مباشراً لرئيس البرلمان أثناء حديثه عن سوابق الحوار بين طهران وواشنطن، في خطوة عكست حساسية الملف داخل الأوساط السياسية.
تصاعد دعوات الانتقام
شهدت إيران تصاعداً في الدعوات المطالبة بالرد على الولايات المتحدة وإسرائيل، سواء عبر الوسائل العسكرية أو من خلال ملاحقة المسؤولين عن الهجمات الأخيرة.
كما نشرت وسائل إعلام محلية قوائم تضمنت أسماء مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين وعدد من القادة الغربيين، في إطار حملة إعلامية ركزت على تحميلهم مسؤولية التطورات الأخيرة.
وفي الوقت نفسه، أكد المرشد الأعلى الجديد رفضه إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، مع السماح باستمرار الاتصالات وتحميل الحكومة مسؤولية نتائجها.
توسيع قاعدة التأييد
تحاول السلطات الإيرانية استثمار الخطاب القومي لتوسيع قاعدة الدعم الشعبي خارج الأوساط التقليدية المؤيدة لها، بالتزامن مع إظهار قدر أكبر من المرونة في بعض القضايا الاجتماعية ضمن الرسائل الإعلامية الرسمية.
وأظهرت وسائل إعلام حكومية خلال الفترة الأخيرة صوراً لمواطنات يشاركن في تدريبات عسكرية، إلى جانب إبراز حضور نسائي في فعاليات ومؤسسات عسكرية بصورة لم تكن مألوفة في السابق.
كما تحدث عدد من المواطنين عن تغير مواقفهم بعد الحرب، معتبرين أن التطورات الأخيرة عززت لديهم الشعور بضرورة الدفاع عن البلاد، رغم اختلاف مواقفهم السابقة من السلطة.
قومية مؤقتة تعيد ترتيب المشهد
دخلت القيادة الإيرانية مرحلة الحرب وهي تواجه تحديات داخلية وضغوطاً اقتصادية وسياسية، إلا أن التطورات الأخيرة أسهمت في تعزيز المشاعر القومية ومنحت السلطات فرصة لإعادة حشد التأييد الشعبي، ولو بصورة مؤقتة.
وترى تقديرات أن هذه الأجواء جعلت فرص التوصل إلى تسويات مع الولايات المتحدة أكثر تعقيداً، بعدما باتت أي خطوة تفاوضية تواجه تدقيقاً وضغوطاً من التيار المتشدد، الذي يسعى إلى توظيف المد القومي لتعزيز نفوذه في المرحلة المقبلة.




