قرى إيطالية ترفض مشروعًا إسرائيليًا… “لا نريد مصير غزة”

بدأت القصة كمبادرة لإحياء قرى جبلية مهجورة في شمال إيطاليا، لكنها تحولت لاحقًا إلى قضية سياسية وأمنية مثيرة للجدل، بعد أن أثار انتقال مئات الإسرائيليين إلى منطقة فالسيسيا موجة من الاحتجاجات والاتهامات المتعلقة بـ”التوسع الإسرائيلي”، وصلت إلى حد إرسال رسالة تهديد ورصاصة إلى بلدية فارالو.
وتقع فالسيسيا في منطقة جبلية تحت قمم مونتي روزا شمال إيطاليا، وهي منطقة اشتهرت بطبيعتها الهادئة وغاباتها الكثيفة، لكنها عانت خلال العقود الماضية من تراجع سكاني حاد، بعدما غادر الشباب القرى النائية باتجاه المدن الكبرى بحثًا عن فرص العمل.
مشروع لإعادة الحياة إلى القرى
في عام 2022، أطلق أوغو لوتساتي “مشروع بايتا” بهدف إعادة تنشيط القرى المهجورة عبر جذب عائلات تبحث عن نمط حياة مختلف.
وخلال السنوات الماضية، استقطب المشروع نحو 150 عائلة إسرائيلية تضم قرابة 250 شخصًا، استقر معظمهم في بلدات بينها فارالو، بعد شراء منازل قديمة وإعادة ترميمها.
ويقول القائمون على المشروع إن الهدف كان دعم المجتمعات الريفية المتراجعة، وليس إنشاء تجمع مغلق، مشيرين إلى أن وصول العائلات الجديدة ساهم في الحفاظ على بعض الخدمات المحلية، بينها المدارس التي استفادت من انضمام عشرات الأطفال الجدد.
من الاندماج إلى الاتهامات
رغم الاندماج اليومي بين السكان المحليين والعائلات الوافدة، بدأت القضية تأخذ منحى مختلفًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مع انتشار روايات تتحدث عن وجود “اختراق إسرائيلي” أو “مشروع استيطاني” داخل الأراضي الإيطالية.
وساهمت بعض الحسابات المؤثرة على الإنترنت في تضخيم هذه الادعاءات، وربطت بين شراء المنازل وإعادة إعمار القرى وبين قضايا سياسية أوسع مرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
كما انتقلت بعض الخطابات من انتقاد المشروع لأسباب اقتصادية أو بيئية إلى عبارات حملت طابعًا معاديًا لليهود، وفق ما رصدته جهات معنية بمكافحة خطاب الكراهية.
تهديدات تصل إلى البلدية
بلغ التوتر ذروته في نهاية حزيران، بعد وصول ظرف إلى بلدية فارالو يحتوي على رصاصة ورسالة تهديد تستهدف الوجود الإسرائيلي في المنطقة والمسؤولين عن المشروع.
وأثارت الحادثة مخاوف من انتقال الخطاب المتداول عبر الإنترنت إلى اعتداءات فعلية، خصوصًا مع تصاعد التوترات المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط داخل بعض الدول الأوروبية.
جدل يتجاوز فالسيسيا
لم تبقِ القضية محصورة في القرى الجبلية، إذ امتد النقاش إلى مناطق أخرى في إيطاليا، مع ظهور احتجاجات على مشاريع سياحية وعقارية مرتبطة بمستثمرين إسرائيليين.
وفي جنوب البلاد، أثار مشروع منتجع فاخر في منطقة بوليا معارضة محلية بسبب مخاوف بيئية وعقارية، قبل أن يحاول بعض الناشطين الربط بينه وبين قضية فالسيسيا، رغم اختلاف طبيعة المشروعين.
كما تدخلت السلطات الإيطالية لإزالة نموذج إلكتروني مجهول الهوية كان يهدف إلى جمع معلومات عن منشآت وفنادق ومصالح تجارية مرتبطة بالإسرائيليين واليهود، وسط انتقادات رسمية اعتبرت الخطوة تشجيعًا للتمييز والكراهية.
بين الواقع والخطاب الرقمي
يرى سكان فالسيسيا أن الصورة المنتشرة عبر الإنترنت لا تعكس واقع الحياة اليومية، إذ يؤكد القائمون على المشروع وجود علاقات طبيعية بين السكان القدامى والجدد.
ويشير لوتساتي إلى مظاهر اندماج متعددة، من بينها تعلم بعض المعلمين المحليين اللغة العبرية للتواصل مع الطلاب، وترجمة مواد تاريخية محلية لخدمة السكان الجدد، إضافة إلى إعادة ترميم منازل حجرية قديمة كانت مهددة بالاندثار.
الخاتمة: اختبار للتعايش
تحاول فالسيسيا الحفاظ على هدوئها في ظل تصاعد الجدل المحيط بها، فيما يبقى التحدي الأكبر أمام سكان المنطقة هو الفصل بين الواقع المحلي والتوترات السياسية المستوردة من الخارج.
وبين مشروع يهدف إلى إعادة الحياة لقرى فقدت سكانها، وخطابات ترى فيه امتدادًا لصراعات دولية، تبدو المنطقة أمام اختبار حقيقي للحفاظ على نسيجها الاجتماعي بعيدًا عن الاستقطاب.




