أخبــاربوصلة الشامنبض الساعة

النزوح يلاحق السوريين… والكارثة الإنسانية تتعمق

لم يؤدِ التغيير السياسي الذي شهدته سوريا نهاية عام 2024 إلى إنهاء المعاناة الإنسانية التي يعيشها ملايين النازحين داخل البلاد، رغم الآمال التي رافقت سقوط نظام الأسد وانتهاء عقود من حكم حزب البعث. فبعد أشهر على التحول السياسي، لا تزال الأزمة الإنسانية قائمة، بينما يواصل النازحون مواجهة ظروف معيشية صعبة تعكس حجم الدمار الذي خلفته الحرب الطويلة.

ورغم الاعتقاد السائد بأن تغيير السلطة قد يشكل بداية لمسار الاستقرار، فإن الوقائع على الأرض تكشف أن الأزمات البنيوية التي راكمتها سنوات النزاع لا تزال قائمة، من انهيار الاقتصاد والبنية التحتية إلى التدهور البيئي والخدماتي، ما جعل التعافي الإنساني أكثر تعقيداً من مجرد انتقال سياسي.

وشهدت البلاد خلال الفترة الماضية حركة عودة واسعة للاجئين والنازحين، حيث عاد مئات الآلاف إلى مناطقهم الأصلية بعد التغيير السياسي، في وقت حاول فيه عدد كبير من النازحين الداخليين مغادرة المخيمات والعودة إلى مدنهم وقراهم.

إلا أن هذه العودة اصطدمت بواقع شديد الصعوبة، إذ وجد كثير من العائدين منازلهم مدمرة أو مناطقهم تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية. كما ما تزال المخيمات تعاني نقصاً حاداً في الدعم الإنساني، في ظل تراجع التمويل الدولي واستمرار الضغوط الاقتصادية والإنسانية.

وتسببت الحرب الممتدة لأكثر من أربعة عشر عاماً في تدمير واسع للبنية التحتية في مختلف أنحاء البلاد، بما يشمل شبكات المياه والكهرباء والمستشفيات والمدارس، الأمر الذي جعل إعادة الاستقرار للسكان مهمة معقدة وبطيئة.

كما يواجه النازحون تحديات قانونية وإدارية مرتبطة بفقدان الوثائق الرسمية وصعوبة استعادة الممتلكات أو إثبات الملكية، ما يزيد من هشاشة أوضاعهم ويحد من قدرتهم على بدء حياة مستقرة.

وفي الجانب المعيشي، يبقى انعدام الأمن الغذائي أحد أخطر مظاهر الأزمة السورية المستمرة، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف السكان يواجهون صعوبات في تأمين الغذاء، فيما تسجل المخيمات أعلى معدلات الفقر والجوع.

ويُعزى ذلك إلى الانهيار الحاد في مصادر الدخل وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بعدما فقد ملايين السوريين أعمالهم وأراضيهم ومصادر رزقهم خلال سنوات الحرب. وبات كثير من النازحين يعتمدون على أعمال مؤقتة وغير مستقرة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.

في الوقت نفسه، تعرض القطاع الزراعي السوري لانتكاسة كبيرة نتيجة الألغام والذخائر غير المنفجرة التي تنتشر في مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، إضافة إلى تدمير أنظمة الري وتلوث المياه والتربة، ما أدى إلى تراجع كبير في الإنتاج الزراعي.

كما ساهمت موجات الجفاف الحادة والتغيرات المناخية في تعميق الأزمة الغذائية، بعدما شهدت البلاد مواسم زراعية سيئة وانخفاضاً حاداً في إنتاج الحبوب والمحاصيل الأساسية. وزادت الفيضانات والعواصف الأخيرة من حجم الخسائر، خصوصاً في المناطق الشمالية التي تضم أعداداً كبيرة من النازحين.

وفي ظل هذا الواقع، تواجه السلطات السورية الجديدة تحديات ضخمة تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الخدمات العامة، في وقت تعاني فيه البلاد من نقص التمويل وضعف الإمكانات الفنية والإدارية.

وبينما تواصل المنظمات الإنسانية جهودها لتقديم المساعدات ومنع تفاقم الأزمة، فإن استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب محدودية الدعم الدولي، يجعل مستقبل ملايين النازحين داخل سوريا مفتوحاً على مزيد من الصعوبات، رغم التغيير السياسي الذي شهدته البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى