أخبــاربوصلة الشام

السويداء تدخل في مواجهة مباشرة مع دمشق

أدّت الاشتباكات التي اندلعت غرب السويداء إلى دفع العلاقة بين المحافظة والحكومة الانتقالية السورية نحو مرحلة أكثر حساسية، مع تصاعد المواجهات على محاور قرى ريمة حازم وولغا بين قوى الأمن الداخلي وتشكيلات محلية تُعرف بـ”الحرس الوطني”. ووفق معطيات متداولة، شهدت المنطقة استخدام أسلحة متوسطة وثقيلة وتبادلًا للقصف على خطوط تماس قائمة منذ أشهر.

وتتباين الروايات حول شرارة التصعيد؛ إذ تشير إحداها إلى استهداف مواقع تابعة لقوى الأمن الداخلي، فيما تربط أخرى ما جرى بخروقات لوقف إطلاق النار وردّ من “الحرس الوطني” على مصادر النيران. ويعيد هذا التباين الأحداث إلى سياق ممتد منذ صيف 2025، حين تحولت مناطق غرب المحافظة إلى نقاط احتكاك بين مساعٍ حكومية لتوسيع حضورها الأمني، ومطالب محلية بالحصول على ضمانات قبل أي تغييرات ميدانية.

من وقف النار إلى اختبار الانتشار
تكتسب هذه الاشتباكات أهميتها من توقيتها أكثر من حجمها، إذ تأتي بعد فترة من تهدئة هشة لم تتحول إلى مسار سياسي واضح، رغم تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار المتقطع. ويضع التصعيد الحالي مسألة انتشار قوى الأمن الداخلي في صلب التوتر، إلى جانب الشروط التي تطرحها القوى المحلية قبل أي إعادة ترتيب أمني داخل السويداء، خاصة في ظل تداعيات أحداث تموز الدامية من العام الماضي.

ويتحرك التصعيد على ثلاثة مستويات مترابطة؛ أولها أمني محلي، حيث يمثل “الحرس الوطني” القوة الأبرز على خطوط التماس، ويُنظر إليه محليًا كجهة حماية عقب أحداث الصيف الماضي، بينما ترى الحكومة أن استمرار وجوده المسلح يعيق تثبيت مؤسساتها. ومن هنا، يتحول الاشتباك إلى صراع على إدارة الأرض وشكل السيطرة الأمنية.

السويداء بين أثر تموز وحسابات الحدود
أما المستوى الثاني فيتعلق بالبنية الاجتماعية والسياسية داخل المحافظة، حيث لا تزال أحداث تموز تلقي بظلالها الثقيلة على العلاقة مع دمشق، بعد ما شهدته من أعمال عنف واتهامات متبادلة وانتهاكات أدت إلى سقوط عدد كبير من الضحايا ونزوح واسع. وبات ملف الأمن مرتبطًا بمطالب العدالة والمحاسبة، قبل أي ترتيبات جديدة للانتشار.

في المقابل، يرتبط المستوى الثالث بحساسية الجنوب السوري ضمن الحسابات الإقليمية، إذ أصبحت السويداء جزءًا من نقاشات أمنية أوسع تتعلق بالحدود والتوازنات الإقليمية، ما يزيد من تعقيد أي تصعيد داخلي ويمنحه أبعادًا تتجاوز الإطار المحلي.
المطالب المحلية قبل العامل الخارجي
ورغم حضور العوامل الإقليمية، فإن جذور التوتر تعود أساسًا إلى الداخل، حيث تطالب القوى المحلية بضمانات واضحة قبل أي انتشار أمني جديد، وتعكس هذه المطالب حالة من القلق تجاه طريقة إدارة الملف منذ أحداث تموز.

وتُظهر عمليات تبادل الأسرى التي جرت سابقًا وجود قنوات تواصل محدودة بين الطرفين، لكنها لم تتطور إلى مسار سياسي مستقر، لتعود الاشتباكات الأخيرة وتعيد الملف إلى نقطة التوتر الميداني، خاصة في ظل ارتباطه بملفات حساسة مثل انتشار الأمن وموقع “الحرس الوطني” ومحاسبة الانتهاكات السابقة.

التهدئة أمام اختبار جديد
تتداخل في علاقة السويداء مع دمشق عدة ملفات أساسية، أبرزها مستقبل الانتشار الأمني، ودور القوى المحلية، ومسألة المحاسبة. ومن دون تحقيق تقدم ملموس في هذه القضايا، سيظل وقف إطلاق النار هشًا وقابلًا للانهيار مع أي تصعيد جديد.
في المحصلة، تعكس التطورات الأخيرة انتقال العلاقة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد وقف النار كافيًا لضبط الأوضاع، ولم يتحول التفاوض المحدود إلى حل دائم. وتبقى المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الاشتباك إلى بناء ترتيبات واضحة ومستقرة، تمنع تكرار سيناريوهات العنف السابقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى