بوصلة الشامنبض الساعة

احتيال عقاري واسع يضرب دمشق

تشهد سوق العقارات في دمشق موجة متصاعدة من قضايا التزوير والاحتيال، في ظل ارتفاع حاد في الأسعار وتزايد الطلب على السكن، ما يضع كثيرًا من المواطنين أمام مخاطر قانونية ومالية معقدة يصعب تداركها لاحقًا.

ومع اشتداد المنافسة على العقارات، تتكرر حالات الوقوع في عمليات خداع تستفيد من ثغرات في الإجراءات القانونية وضعف التدقيق في بعض المعاملات، إلى جانب تداعيات سنوات النزاع التي تركت آثارًا عميقة على القطاع العقاري.

قضايا احتيال تتطور إلى نزاعات طويلة

تبدأ بعض الحالات بعمليات تبدو قانونية في ظاهرها، مثل عقود إيجار أو بيع موثقة، قبل أن تنكشف لاحقًا كعمليات تزوير أو تلاعب بالملكية تتحول إلى نزاعات قضائية تمتد لسنوات.

في إحدى القضايا، فوجئ مالك عقار بوجود شخص آخر يقيم في منزله، ليتضح لاحقًا أن عقد الإيجار تم تزويره، وأن العقار بيع لطرف ثالث دون علمه. القضية استمرت سنوات داخل المحاكم، وشملت خبرات فنية على التواقيع والبصمات قبل إثبات التزوير واستعادة الملكية.

ويشير متضررون إلى أن مثل هذه الوقائع لا تحدث بمعزل عن أطراف متعددة، بل قد تتداخل فيها شبكات من الوسطاء وبعض العاملين في المجال القانوني، تستغل الثغرات لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

بيئة ساعدت على انتشار الظاهرة

يرى مختصون أن اتساع ظاهرة الاحتيال العقاري يعود بدرجة كبيرة إلى تداعيات ما بعد عام 2011، حيث أدت موجات النزوح إلى ترك عدد كبير من العقارات دون إشراف مباشر من أصحابها، ما فتح الباب أمام الاستغلال.

كما ساهم تضرر بعض السجلات العقارية أو فقدانها في مناطق معينة في صعوبة التحقق من الملكيات، مع استمرار الاعتماد على الوثائق الورقية، الأمر الذي زاد من تعقيد عمليات التوثيق وأضعف الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك، بحسب مختصين، وجود حالات خلل إداري أو فساد في بعض الدوائر، ما سمح بتمرير معاملات غير دقيقة أو مشكوك فيها، إضافة إلى ضغوط استثنائية رافقت سنوات الحرب.

أساليب احتيال متعددة

تتنوع طرق الاحتيال بين بيع العقار لأكثر من شخص، وإخفاء إشارات قانونية على الملكية، وتزوير وكالات رسمية، أو استغلال غياب المالك أو غموض بيانات الورثة.

كما تُسجّل حالات يقوم فيها مالكون فعليون ببيع العقار أكثر من مرة، ما يؤدي إلى نزاعات معقدة بين أكثر من طرف يصعب حسمها بسرعة.

وتُعد العقود غير الدقيقة أو الجاهزة من أبرز مصادر الخطر، إذ قد لا تراعي التفاصيل القانونية لكل حالة، ما يفتح المجال لأخطاء تؤدي إلى فقدان الحقوق.

سوق مضطرب يزيد المخاطر

يشير عاملون في القطاع العقاري إلى أن غياب استقرار الأسعار واعتمادها على العرض والطلب بشكل غير منظم يدفع بعض المشترين إلى التسرع خوفًا من ارتفاع الأسعار، ما يزيد من احتمالات الوقوع في عمليات احتيال.

ورغم ذلك، بدأت بعض المكاتب العقارية بمحاولات لتنظيم العمل عبر التحقق من الوثائق بالتنسيق مع جهات رسمية، بهدف تقليل المخاطر وتعزيز الشفافية.

إجراءات رقابية ونصائح للمواطنين

في مواجهة هذه الظاهرة، تم اتخاذ إجراءات أكثر تشددًا في عمليات البيع والشراء، تشمل التحقق الميداني من العقارات، والتأكد من الشاغلين، والاستماع إلى الجوار، إضافة إلى تدقيق التواقيع والبصمات عبر خبرات فنية.

لكن خبراء يرون أن هذه الإجراءات تحتاج إلى وقت لتنعكس بشكل فعلي على أرض الواقع، خاصة مع تراكم قضايا سابقة معقدة.

كما يُجمع مختصون على أن الحل الأكثر فاعلية يكمن في التحول إلى نظام توثيق إلكتروني شامل للسجلات العقارية، يقلل من الاعتماد على الوثائق الورقية ويحد من التلاعب.

وينصح الخبراء المواطنين بالتأكد من القيد العقاري الحديث قبل أي عملية شراء، والتحقق من خلو العقار من أي إشارات قانونية، وعدم التسرع في التوقيع، إضافة إلى الاستعانة بمحامٍ مختص قبل إتمام أي صفقة.

خلاصة

تعكس هذه الظاهرة حجم التحديات التي تواجه سوق العقارات في دمشق، حيث تتداخل الحاجة الملحة للسكن مع ثغرات قانونية وإرث طويل من الاضطرابات، ما يجعل الاحتيال خطرًا حقيقيًا على الملكيات.

ورغم الإجراءات المتخذة، يبقى الوعي الفردي والتدقيق القانوني الخط الدفاعي الأهم، في ظل أن استعادة الحقوق قد تتطلب سنوات طويلة من التقاضي وتكلفة مادية ونفسية كبيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى