لبنان يضع إسرائيل أمام الخيار الأوحد: “انسحبي أو لا اتفاق”

تشير تقديرات عدد من المتخصصين في الشأنين الدولي واللبناني إلى أن المحادثات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل، التي تُعقد في واشنطن برعاية الولايات المتحدة، تمثل خطوة تمهيدية لوضع إطار تفاوضي قد يتطور لاحقًا إلى مسار سياسي أكثر شمولًا بين الجانبين.
وبحسب هذه التقديرات، فإن الاجتماعات الحالية تندرج ضمن مرحلة إعداد ما يشبه “خارطة طريق” للتفاوض، قد تفتح الباب أمام صيغ متعددة للتسوية، من بينها ترتيبات مشابهة لهدنة عام 1949، أو اتفاق قائم على عدم الاعتداء، أو حتى تفاهمات طويلة الأمد، وذلك في ظل توجه لفصل بعض المسارات الإقليمية عن المفاوضات الثنائية.
ويُتوقع أن يدخل الجانب اللبناني هذه الجولة حاملاً مجموعة من المطالب الأساسية، في مقدمتها تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها مؤخرًا، إضافة إلى معالجة ملف الأسرى اللبنانيين، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني على الحدود المعترف بها دوليًا.
وتأتي هذه الجولة، التي تُعد الثانية من نوعها، في إطار تحضيرات أوسع تهدف إلى تحديد جدول أعمال المفاوضات المقبلة، بما في ذلك مكان انعقادها وتوقيتها. ويواكب ذلك طرح إسرائيلي يدعو إلى تعاون لبناني في ملفات أمنية، في وقت ترفض فيه أطراف لبنانية، من بينها حزب الله، الانخراط في هذا المسار التفاوضي.
وفي قراءة لمسار هذه الاجتماعات، ترى الباحثة ثريا شاهين أن اللقاءات التي تُعقد على مستوى السفراء تهدف بالدرجة الأولى إلى بلورة الأوراق التفاوضية، إلى جانب بحث إمكانية تثبيت هدنة مؤقتة قد تمتد لأسابيع، في إطار السعي لتخفيف التصعيد الميداني.
وتشير إلى أن المقاربة اللبنانية ترتكز على جملة من الثوابت، أبرزها الحفاظ على السيادة الكاملة على الأراضي، وهو موقف أكده الرئيس اللبناني جوزيف عون، إلى جانب السعي لتجنب أي تصعيد عسكري إضافي، بدعم من وساطة أميركية ومساندة عربية.
كما تتناول المباحثات المرتقبة ملفات تقنية، من بينها ترسيم الحدود البرية، حيث يُعاد طرح مسألة “الخط الأزرق” وضرورة مواءمته مع الحدود الدولية، في ظل وجود نقاط خلافية لا تزال قيد البحث منذ سنوات.
وتستند هذه النقاشات إلى تجارب سابقة، من بينها الاجتماعات الثلاثية التي كانت تُعقد بمشاركة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان اليونيفيل، إلى جانب ممثلين عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي، حيث تم التوصل آنذاك إلى تفاهمات جزئية بشأن عدد من النقاط الحدودية، مع بقاء ملفات أخرى عالقة.
وفي هذا السياق، تؤكد شاهين أن المفاوضات المرتقبة لا تهدف إلى تطبيع العلاقات بين الطرفين، بل تركز على معالجة القضايا الخلافية العالقة وتخفيف التوترات على الأرض.
من جهته، يرى الباحث في الشأن اللبناني قاسم يوسف أن الاجتماعات الحالية تهدف إلى وضع أسس واضحة للمسار التفاوضي، بما يقلل من احتمالات التعثر في المراحل اللاحقة، مشيرًا إلى أن أحد العناصر البارزة في هذا المسار يتمثل في محاولة الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني.
ويضيف أن القضايا المطروحة على طاولة البحث تتسم بالتعقيد، وتشمل ملفات تاريخية وأمنية، مثل المناطق المتنازع عليها وقضية مزارع شبعا، إلى جانب إرث طويل من التوتر بين الجانبين.
وبحسب هذه الرؤية، فإن أي تقدم محتمل سيتطلب مفاوضات مطوّلة ومعقدة، تبدأ بملفات ميدانية ولوجستية، وقد تنتهي بصياغة اتفاقات أوسع، سواء على شكل هدنة محدثة أو تفاهمات أمنية طويلة الأمد.
كما يشير يوسف إلى أن فرص نجاح هذا المسار قد تتأثر بعوامل إقليمية، من بينها طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، ومدى انعكاس ذلك على دور الأطراف غير الحكومية في المنطقة.
وفي المحصلة، تبدو هذه الجولة من المحادثات خطوة أولى ضمن مسار تفاوضي طويل، يسعى إلى معالجة ملفات عالقة منذ عقود، في ظل توازنات إقليمية ودولية معقدة، واحتمالات مفتوحة على عدة سيناريوهات.




