بالنسبة لجيلي الذي تجاوز الأربعين من عمره والجيل الأصغر، تشكل وعينا السياسي على وقع سلسلة مريرة من الأزمات التي كانت إيران المحرك الأساسي فيها. فمنذ أدركنا ما يدور حولنا، شاهدنا مساهمة التمدد الإيراني في زعزعة استقرار المنطقة بشكل ممنهج.
سقوط بغداد عام 2003 وما تبعه من هيمنة إيرانية ، والسيطرة على القرار في لبنان، إلى الدمار الذي حل بسوريا واليمن، تجعلنا نرى في الدور الإيراني العامل الأكثر تدميراً لبنية الدول العربية في العصر الحديث.
ويجب توضيح نقطة جوهرية وهي أن توصيفنا لإيران كخطر وجودي دمر النسيج المجتمعي للدول العربية ينفصل تماماً عن تجميل صورة إسرائيل أو الغفران لجرائمها. فنحن أمام نوعين مختلفين من التهديد؛ أحدهما احتلال وقمع خارجي متمثل في إسرائيل، والآخر اختراق وتفتيت داخلي تقوده إيران عبر ميليشياتها.
وعلى هذا الأساس، العداء لسياسات طهران قراءة واقعية مبنية على فاتورة الدم التي دفعها العرب في عواصمهم، وهو موقف ينبع من الرغبة في استعادة سيادة الأوطان، مع التمسك بحقنا في نقد ورفض الممارسات الإسرائيلية.
بمعنى آخر نحن نرفض المفاضلة بين مشروعين، كلاهما يرى في منطقتنا ساحة لتصفية الحسابات.
هذا الموقف يرتكز على ذاكرة مثقلة بالمجازر المروعة التي ارتكبها النظام الإيراني وأدواته في سوريا؛ حيث شهد العالم فظائع يندى لها الجبين في “القصير” و”حلب” و”الغوطة”، تعكس وحشية التدخل المباشر للحرس الثوري الإيراني وميليشيات حزب الله. يضاف إلى ذلك كارثة التهجير القسري التي تعد الأكبر في العصر الحديث، فقد أُجبر أكثر من 12 مليون سوري على ترك ديارهم في أكبر عملية تغيير ديموغرافي تهدف إلى بناء حزام نفوذ طائفي. وفي العراق، مارست الميليشيات سياسات الأرض المحروقة والتهجير المنظم في مناطق حيوية، مما أدى إلى تشريد الألاف وفقدانهم لهويتهم الوطنية وممتلكاتهم تحت وطأة السلاح والميليشيات المدعومة إيرانيا.
ولو أُتيح لمراكز استطلاعات الرأي المستقلة قياس حجم العداء الشعبي للمشروع الإيراني اليوم، لوجدنا نتائج مذهلة تتجاوز كل التوقعات وتكشف عن تحول جذري في الوعي الجمعي العربي.
اليوم, نحن أمام فجوة معرفية شاسعة تفصل بين هذا الجيل العربي الشاب وبين بقايا جيل السبعينات المتمسك بأطلال شعارات الوحدة و المقاومة التي أصبحت فاقدة للصلاحية. هذا الجيل القديم، المسكون بأوهام الماضي، يجد في منصات إعلامية معينة مع الأسف ظهيراً يعمل جاهداً على إعادة تدوير هذه السياقات السياسية المتهالكة، ومنحها وزناً مصطنعاً يفتقر إلى أي رصيد في الواقع المعاش.
وأعتقد أن الأزمة الحقيقية تكمن في التشويه الادراكي الذي تمارسه هذه المنصات؛ فهي تحاول صناعة واقع موازٍ يصطدم كلياً مع التجربة اليومية لأبناء منطقتنا الذين ذاقوا ويلات التدخلات الإيرانية. يغرق الجيل القديم في بحر الأيديولوجيات العاطفية دون توقف ، وينتمي جيل الشباب والأجيال الصاعدة إلى مدرسة البراغماتية الوجودية التي تقيس نجاح المشاريع السياسية بمقدار ما تحققه من استقرار وازدهار تشعر به المجتمعات، وهو ما يفتقده المشروع الإيراني جملة وتفصيلاً.
وبالتالي العداء الشعبي للنظام الإيراني اليوم هو رفضاً وجودياً لنموذج اللامؤسسة وعسكرة المجتمعات الذي تحاول طهران فرضه كبديل للدولة الوطنية الحديثة.
لذا، فإن استطلاعات الرأي لو أتيحت لها العمل بحرية ستكشف أن الوعي العربي قد تحرر فعلياً من قيود التضليل الإعلامي الممنهج. وهناك حالة ادراك أن الشعارات الرنانة التي يروج لها الحرس القديم ومنصاته الإعلامية غير مجدية وتعد غطاءً لمشاريع الهيمنة والتفتيت.
والحقيقة هي أن التحول الجوهري الذي يقوده الشباب اليوم هو الانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة البراغماتية الوطنية ، فنحن جيل يقدس لغة التنمية، وجودة التعليم، والازدهار الاقتصادي ، ولذلك نجد أن الرؤية التي اطلقتها السعودية 2030 كانت من أنجح الأطروحات التحولية التي شهدها الشرق الأوسط في العصر الحديث لأنها تعتمد ببساطة على ثقافة الإنجاز والأرقام.
ومن هذا المنطق، فإن موقفنا الحاد تجاه المشروع الإيراني ليس طائفيا لكنه نابع من رؤية واقعية تراه حجر عثرة أمام قطار النهضة الذي تنشده شعوب المنطقة. نحن نبحث عن دولة الرفاه و دولة القانون، وهي مفاهيم تتصادم كلياً مع نموذج اللامؤسسة الذي تصدره طهران.
بوضوح تام ، أثبتت التجربة أن المشروع الإيراني يفتقر تماماً لأي رؤية سياسية قابلة للحياة، ويعتمد فقط على تغييب المؤسسات الرسمية لصالح المليشيات.
ومن منظور إعلامي واتصالي، نجد أن هذا المشروع قد مني بفشل ذريع في معركة القلوب والعقول ، وانكشف إفلاس قوته الناعمة، وعجزت خطاباته عن تضليل الجيل الجديد الذي يرى التناقض الصارخ بين وعود التحرير والواقع المأساوي الذي يعيشه الإنسان في مناطق النفوذ الإيراني. هذا الانكشاف يجعلنا واثقين بأن نهاية هذا النظام ستكون لحظة تحرر تدريجي لاستعادة سيادة الأوطان وبدء مرحلة الإعمار الحقيقي بعيداً عن سياسات تصدير الأزمات.
المصدر: العربية
تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”




