أخبــاربلاد الجوارنبض الساعة

طهران والأسرار المظلمة: قصة “مدينة الموتى”

في شهادة تعكس حجم التوتر والارتباك داخل إيران، يروي أحد سكان طهران، في رسالة بعث بها إلى صحيفة فرنسية، صورة قاتمة للأوضاع بعد شهرين من الضربات الأمريكية-الإسرائيلية. ويقول إن الآمال التي علّقها بعض الإيرانيين على تغيرات خارجية تلاشت، ليجدوا أنفسهم أمام واقع معقّد يجمع بين سلطة تبدو أضعف من السابق لكنها أكثر ميلاً للانتقام، واقتصاد يترنح تحت ضغط تضخم متسارع، وحياة يومية معلّقة على هدنة لا تحمل مؤشرات واضحة على الاستقرار.

وتكشف الصحيفة، من خلال تقارير ميدانية وشهادات من داخل العاصمة، عن مشهد مزدوج تعيشه طهران اليوم. فمن جهة، تبدو المدينة وكأنها تستعيد إيقاعها الطبيعي؛ حدائق مزدحمة، وشوارع تعج بالمارة، وشرفات تتزين بالورود. ومن جهة أخرى، يدور في العمق واقع أكثر قتامة، حيث تتواصل حملات تضييق تستهدف ناشطين ومحتجين وأفراداً من أقليات مختلفة، بالتوازي مع ضغوط اقتصادية خانقة وانقطاعات واسعة في خدمات الإنترنت.

واجهة هادئة وواقع مضطرب

تنقل الصحيفة صورة التناقض من خلال مشاهد يومية توثقها محامية إيرانية عبر منصات التواصل، حيث تظهر سماء صافية وأجواء ربيعية توحي بالهدوء، لكنها تصف هذا المشهد بأنه مجرد حالة “تعليق” بين الحرب والسلام. وتفسر الصحيفة هذا التناقض بأن استمرار وقف إطلاق النار، الذي جرى تمديده دون أفق زمني واضح، منح السكان قدراً مؤقتاً من الراحة، لكنه لم يبدد القلق العميق الذي يعيشه المجتمع.

وتشير إلى أن مظاهر الحياة عادت جزئياً، خاصة في الأحياء الراقية شمال العاصمة، حيث استأنف البعض أنشطتهم اليومية مثل الرياضة والتنزه، بعد أن اضطروا سابقاً إلى مغادرة المدينة نحو مناطق أكثر أمناً. غير أن هذه العودة، وفق توصيف التقرير، لا تعكس تعافياً حقيقياً بقدر ما تمثل هدنة هشة تخفي خلفها مجتمعاً مثقلاً بالضغوط.

اقتصاد تحت الضغط

على الصعيد المعيشي، تنقل الصحيفة شهادات عن ارتفاعات حادة في الأسعار طالت معظم السلع الأساسية. إذ تضاعفت أسعار بعض المواد الغذائية، وقفزت تكاليف الأدوية عدة أضعاف، فيما تأثرت منتجات أخرى نتيجة استهداف منشآت صناعية. ويصف أحد المتحدثين الوضع بأن القدرة الشرائية تآكلت بشكل كبير، ما جعل تلبية الاحتياجات اليومية تحدياً متزايد الصعوبة.

كما تعاني الخدمات العامة والنظام المصرفي من اضطراب واضح، حيث تعمل بعض المؤسسات بشكل متقطع، وتواجه أجهزة الصراف الآلي نقصاً في السيولة. ويضيف أحد السكان أن الحصول على الأموال النقدية بات معقداً، ما دفع البعض إلى البحث عن بدائل خارج البلاد لتأمين احتياجات أساسية.

الإنترنت.. خسارة غير مباشرة

وتسلط الصحيفة الضوء على تأثيرات أقل وضوحاً لكنها عميقة، من بينها انقطاع الإنترنت أو تقييده، والذي ألحق ضرراً بآلاف الأشخاص الذين يعتمدون على العمل الرقمي. وتشير شهادة لإحدى الإيرانيات إلى أن هذه القيود لم تعنِ فقط فقدان الاتصال، بل أدت إلى توقف مصادر دخل كاملة، خاصة لمشاريع صغيرة كانت تُدار عبر منصات التواصل، مثل الحرف اليدوية أو الدروس الإلكترونية.

وتوضح أن الوصول إلى أدوات تجاوز الحجب أصبح مكلفاً، إذ يتطلب إنفاق جزء معتبر من الدخل الشهري، ما يزيد من الضغوط الاقتصادية على الأفراد.

اعتقالات مستمرة رغم الهدنة

ورغم توقف العمليات العسكرية نسبياً، تؤكد المعطيات أن الإجراءات الأمنية لم تتراجع، بل استمرت بوتيرة لافتة. ووفق أرقام نقلتها الصحيفة عن منظمة حقوقية، تم توقيف آلاف الأشخاص منذ بداية النزاع، بينهم مئات بعد إعلان وقف إطلاق النار. وتشمل هذه الاعتقالات أشخاصاً يُشتبه في استخدامهم وسائل اتصال غير خاضعة للرقابة أو نقلهم معلومات إلى الخارج.

وتورد الصحيفة أمثلة تعكس طبيعة هذه الأجواء، منها ضغوط تمارس على أصحاب أعمال لمراقبة زبائنهم، في مؤشر على اتساع دائرة الرقابة داخل المجتمع.

حضور أمني مكثف وتحوّل في الخطاب

في موازاة ذلك، يصف أحد الناشطين انتشاراً كثيفاً للقوات الأمنية في مختلف أنحاء العاصمة، بما في ذلك الشوارع الرئيسية والمرافق العامة، مع إقامة نقاط تفتيش متكررة تزيد من القيود على الحركة. ويقارن هذا المشهد بحالات شهدتها مدن أخرى في أوقات نزاع، في إشارة إلى حجم التحول الذي طرأ على الحياة اليومية.

كما تشير الصحيفة إلى تغير في الخطاب الرسمي، حيث بات يميل إلى الطابع القومي أكثر من الديني، مع التركيز على قضايا السيادة وحماية الممرات الاستراتيجية، إلى جانب مواد دعائية تستهدف الخصوم السياسيين بأساليب مختلفة.

وتلفت أيضاً إلى مظاهر دعائية لافتة، من بينها استعراضات تحمل طابعاً رمزياً، مثل ظهور نساء مسلحات بأسلحة ذات ألوان زاهية في شوارع المدينة، في مشهد يبدو موجهاً لإبراز صورة معينة عن الواقع الداخلي.

واقع معقّد وصورة غير مكتملة

في المقابل، ترى إحدى السيدات أن هذه المظاهر لا تعكس حقيقة أوضاع النساء ولا التحديات التي واجهنها في السنوات الأخيرة، معتبرة أن ما يجري هو محاولة لإعادة تقديم صورة محسّنة لا تعبر عن التجربة الفعلية.

وبين الهدوء الظاهري والتوتر الكامن، ترسم هذه الشهادات صورة مدينة تعيش حالة من التناقض الحاد، حيث تتجاور مظاهر الحياة الطبيعية مع ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية عميقة، تجعل من الاستقرار الحالي وضعاً مؤقتاً أكثر منه تحولاً حقيقياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى