تنظيم القاعدة يوسّع عملياته ويخلط الأوراق في مالي

تشهد مالي تصعيداً جديداً في الصراع المسلح، مع تنامي قدرات الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة، وعلى رأسها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، التي نفذت هجمات منسقة واسعة النطاق ضد الجيش المالي وحلفائه، بما في ذلك قوات روسية متعاقدة.
ورغم أن فرص هذه الجماعات في السيطرة الكاملة على الدولة لا تزال محل شك، فإن قدرتها على إضعاف النظام ودفعه إلى التراجع تتزايد بشكل ملحوظ، بحسب صحيفة “الغارديان”.
هجمات تنسف موازين القوة
الهجوم الأخير الذي شاركت فيه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتنسيق مع عناصر من جبهة الطوارق، استهدف مواقع عسكرية ومدنية في مناطق عدة من البلاد، مستخدماً الكمائن والسيارات المفخخة والطائرات المسيرة.
وأسفر الهجوم عن خسائر كبيرة في صفوف القوات الحكومية، من بينها مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا ورئيس المخابرات العسكرية، في واحدة من أكثر الضربات إيلاماً للسلطة منذ سنوات.
كما امتدت العمليات لتشمل مطار باماكو الدولي، فيما سيطر المسلحون على مدينة كيدال الشمالية بعد انسحاب القوات الحكومية وقوات المرتزقة الروس، في تطور عكس هشاشة السيطرة العسكرية في مناطق واسعة من البلاد.
دولة ضعيفة في بيئة مضطربة
تأتي هذه التطورات في سياق إقليمي شديد الاضطراب، حيث تعاني منطقة الساحل من موجات متكررة من الانقلابات العسكرية، وتوسع الجماعات المسلحة، وتدهور الأوضاع الإنسانية.
وقد فشلت محاولات دولية متعددة، بما في ذلك بعثات الأمم المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة، في تحقيق استقرار دائم خلال العقد الماضي؛ ما ترك فراغاً أمنياً استغلته الجماعات المتطرفة.
وتشير المعطيات إلى أن الفقر المدقع، وضعف الخدمات الأساسية، والتوترات الطائفية، إضافة إلى انتشار السلاح، كلها عوامل ساهمت في تحويل المنطقة إلى بيئة خصبة للتطرف العنيف، حيث وقعت نسبة كبيرة من ضحايا الإرهاب عالمياً في دول الساحل.
استراتيجية التمدد والسيطرة المحلية
لا تركز جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على السيطرة الفورية على الدولة، بل تعتمد استراتيجية طويلة الأمد تقوم على التمدد التدريجي وبناء النفوذ المحلي.
وتشمل هذه الاستراتيجية السيطرة على القرى والطرق ومصادر التجارة، وفرض الضرائب، واستخدام المجتمعات المحلية في التجنيد ونشر النفوذ.
ويرى خبراء أن الجماعة تسعى إلى إنشاء مناطق نفوذ شبه مستقلة داخل مالي، على غرار نماذج سابقة في سوريا، بما يسمح لها ببناء هياكل حكم موازية للسلطة المركزية، حتى دون إسقاط النظام بالكامل.
ضغط مستمر دون إسقاط مباشر
رغم النجاحات الميدانية التي تحققها الجماعات المسلحة، يؤكد محللون أن السيطرة على المدن الكبرى أو إسقاط النظام في باماكو لا تزال مهمة صعبة للغاية.
ومع ذلك، فإن هذه الجماعات قادرة على استنزاف الدولة، وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية وأمنية، بل وربما دفعها إلى تبني بعض مطالبها تحت ضغط الواقع الميداني.
وفي ظل هذا الوضع، تبدو الحكومة المالية محاصرة بين تصاعد العنف الداخلي، وضعف الدعم الدولي، وتراجع القدرة على فرض السيطرة الكاملة، بينما تراهن الجماعات المسلحة على استراتيجية “النفس الطويل” لإضعاف الدولة تدريجياً حتى مرحلة الانهيار أو التفاوض القسري.




