تصعيد في الجنوب.. كمين يعيد فرنسا إلى قلب الأزمة اللبنانية

شكّل مقتل جندي فرنسي في جنوب لبنان اختبارًا جديدًا لهشاشة وقف إطلاق النار القائم بين إسرائيل ولبنان، بعدما أدى كمين مسلح وقع في 18 أبريل/نيسان إلى مقتل الرقيب أول فلوريان مونتوريو، في حادثة أعادت إلى الواجهة مستوى التوتر الأمني في المنطقة، وفتحت نقاشًا متجددًا حول طبيعة المواجهات وأساليب القتال في الجنوب اللبناني، إضافة إلى الدور الدولي المتزايد في ملف التصعيد.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام دولية، بينها تقارير إخبارية، فإن الهجوم الذي وقع بعد نحو عشرة أيام من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لم يقتصر على استهداف قوة تابعة لفرنسا ضمن إطار قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، بل تزامن أيضًا مع انفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة إسرائيلية في المنطقة نفسها، ما أسفر عن مقتل جندي احتياط إسرائيلي وإصابة عدد من الجنود الآخرين، بينهم حالات وُصفت بالخطيرة وفق بيانات الجيش الإسرائيلي.
ووفق وزارة الخارجية الفرنسية، فقد قُتل الجندي خلال مهمة ميدانية لإزالة متفجرات قرب بلدة الغندورية في جنوب لبنان، عندما تعرضت القوة لإطلاق نار مباشر من مسافة قريبة باستخدام أسلحة خفيفة، في حادثة جرى توصيفها بأنها نُفذت من قبل “جهات غير حكومية”، وهو تعبير يُستخدم في الغالب للإشارة إلى حزب الله دون اتهام رسمي مباشر.
وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مقتل الرقيب أول فلوريان مونتوريو، الذي كان يخدم ضمن فوج الهندسة المظلي السابع عشر، مشيرًا إلى إصابة ثلاثة جنود آخرين تم نقلهم لتلقي العلاج، ومشدداً على متابعة بلاده لتطورات الحادث بالتنسيق مع القوات الدولية العاملة في الجنوب اللبناني.
وقال ماكرون إن المؤشرات الأولية التي تلقّتها باريس تشير إلى احتمال مسؤولية حزب الله عن الهجوم، داعيًا السلطات اللبنانية إلى فتح تحقيق عاجل وتحديد المسؤولين ومحاسبتهم، بالتعاون مع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل).
في المقابل، نفى حزب الله مسؤوليته عن الكمين، بينما أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الهجوم، مشيرًا إلى أن التقييم الأولي لقوات اليونيفيل خلص إلى نتائج أولية تربط الحادث بالجهة ذاتها، من دون صدور تأكيد نهائي مستقل.
ويرى محللون عسكريون أن هذا النوع من الحوادث يعكس تعقيدات المشهد الأمني في جنوب لبنان، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع وجود مدني كثيف وبنية اجتماعية معقدة. ويشير بعض الباحثين الأمنيين، من بينهم كوبي مايكل من معاهد بحثية في إسرائيل، إلى أن حزب الله طور على مدى سنوات بنية عسكرية متشابكة داخل القرى الجنوبية، تشمل أنفاقًا ومخازن أسلحة قريبة من مناطق سكنية.
وبحسب هذا الطرح، فإن طبيعة الانتشار العسكري داخل بيئة مدنية تجعل الفصل بين الأهداف العسكرية والمدنية أكثر تعقيدًا، وتزيد من صعوبة العمليات الميدانية لأي قوة عسكرية أو دولية تعمل في المنطقة، سواء كانت إسرائيلية أو تابعة لقوات حفظ السلام.
على الصعيد السياسي، وضع الحادث فرنسا أمام اختبار دبلوماسي وأمني، خصوصًا بعد مواقف سابقة لباريس انتقدت فيها التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان، ودعت إلى ضبط النفس وتجنب توسع العمليات البرية.
وبحسب محللين، فإن مقتل جندي فرنسي أعاد تعديل موقف باريس إلى حد ما، حيث زادت من انخراطها في متابعة التحقيقات والتنسيق مع الأطراف الدولية، في وقت تتباين فيه مواقفها بين الدعوة إلى التهدئة والضغط من أجل محاسبة المسؤولين عن استهداف قواتها.
وفي المقابل، عبّرت أطراف سياسية في إسرائيل عن تحفظات بشأن الدور الفرنسي في مسار التهدئة، ما يعكس تباينًا في الرؤى الدولية حول إدارة الأزمة في جنوب لبنان.
من جهة أخرى، يشير مراقبون إلى أن الحادثة تعكس استمرار تأثيرات إقليمية أوسع، لا سيما ما يتعلق بالدور الإيراني في دعم حزب الله، وهو ما تعتبره بعض الدول عنصرًا أساسيًا في تعقيد المشهد الأمني والسياسي في لبنان، في حين يرى آخرون أن الجيش اللبناني يواجه تحديات داخلية تحول دون فرض سيطرة كاملة في الجنوب.
وبموجب ترتيبات وقف إطلاق النار، يُفترض أن تتولى القوات اللبنانية مسؤولية منع الهجمات المسلحة، مع احتفاظ إسرائيل بما تصفه بحق الرد والدفاع عن النفس، بينما تستمر الأمم المتحدة والولايات المتحدة في لعب دور الوساطة.
ومع تزايد الاتهامات المتبادلة واستمرار التوترات الميدانية، تبدو الهدنة في الجنوب اللبناني أمام اختبار صعب، وسط مخاوف من انهيارها وتوسع نطاق المواجهة، ما قد يفتح الباب أمام انخراط دولي أوسع وتعقيد إضافي في المشهد الإقليمي القائم.




