أخبــاربلاد الجواربلاد المهجر

بكين تتعلم من طهران: سلاح خنق التجارة

تراقب بكين عن كثب تطورات الحرب في إيران وتداعياتها على ممرات الطاقة العالمية، في وقت يتزايد فيه اهتمام صانعي القرار الصينيين بفهم الأساليب التي تعتمدها طهران في تعطيل حركة الملاحة، ولا سيما في مضيق هرمز. ويأتي هذا الاهتمام ضمن سياق أوسع من التفكير الاستراتيجي المرتبط بأي سيناريو محتمل للتصعيد مع الولايات المتحدة، خصوصاً في محيط تايوان.

وبحسب تحليل نشرته مجلة دولية متخصصة، لم تعد الحرب في الشرق الأوسط مجرد حدث إقليمي بالنسبة للصين، بل تحولت إلى مصدر غني بالمعطيات الميدانية، يتيح لها دراسة كيفية تعامل واشنطن وحلفائها مع تهديدات تستهدف أحد أهم الشرايين البحرية في العالم.

إيران كنموذج تكتيكي

يرى محلل في الشؤون العسكرية أن الصين تتابع عن كثب الطريقة التي توظف بها إيران موقعها الجغرافي، إلى جانب استخدام وسائل منخفضة التكلفة مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ، لتعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز عالمياً.

ويشير خبير في الاستراتيجيات البحرية إلى أن هذه الأدوات، رغم بساطتها النسبية، قادرة على إحداث تأثير اقتصادي واسع، وهو ما يجعلها نموذجاً محتملاً يمكن للصين دراسته وتكييفه في حال اندلاع أزمة في مضيق تايوان، الذي يمثل بدوره ممراً حيوياً ومزدحماً للتجارة الدولية.

كما يلفت محلل أمني إلى أن بكين تراقب أيضاً طبيعة الاستجابة الأمريكية والغربية لهذه التهديدات، بما في ذلك التحديات المرتبطة بنشر القوات أو تنفيذ عمليات إزالة الألغام في بيئة بحرية معقدة وعالية المخاطر.

تشابهات استراتيجية

ويؤكد خبير في العلاقات الدولية وجود تقاطعات في التفكير الاستراتيجي بين إيران والصين، خاصة في ما يتعلق بالسعي لمواجهة التفوق العسكري الأمريكي بوسائل غير تقليدية، رغم الفوارق الكبيرة في الإمكانات الاقتصادية والعسكرية بين البلدين.

ففي الوقت الذي يُعد فيه مضيق هرمز شرياناً أساسياً لتدفق الطاقة، يشكل مضيق تايوان نقطة عبور رئيسية للتجارة العالمية، ما يمنحه أهمية استراتيجية مماثلة باعتباره نقطة اختناق محتملة في حال نشوب نزاع.

وتشير تقديرات إلى أن الصين راكمت بالفعل خبرة في تنفيذ مناورات عسكرية حول تايوان، تضمنت محاكاة فرض حصار على موانئ الجزيرة، إلى جانب تدريبات تستهدف تعطيل الملاحة الجوية والبحرية، وهو ما يعكس استعداداً متزايداً للتعامل مع سيناريوهات التصعيد.

الحصار كأداة ضغط

ويخلص محلل استراتيجي إلى أن أحد أبرز الدروس التي قد تستفيد منها بكين يتمثل في فعالية الحصار البحري واستخدام الألغام والطائرات المسيّرة كوسائل ضغط اقتصادي، بدلاً من الانخراط في مواجهة عسكرية تقليدية مباشرة.

ويضيف خبير عسكري أن تعطيل حركة التجارة، خاصة إذا ارتبط بدول داعمة لتايوان، قد يكون خياراً أكثر واقعية من شن عملية عسكرية واسعة، في ظل التحديات اللوجستية التي تواجه أي عمليات إنزال برمائي كبيرة.

كما تظهر التجربة الإيرانية، وفقاً لخبير في الأمن البحري، أن الممرات الضيقة يمكن تحويلها إلى أدوات ضغط سياسي واقتصادي مؤثرة، من خلال زيادة كلفة التدخل العسكري وإبطاء استجابة القوى الكبرى.

وتوفر الحرب الدائرة حالياً نموذجاً عملياً لما يُعرف بـ”حرب الممرات البحرية”، حيث يمكن استغلال نقاط الاختناق الاستراتيجية لتحقيق أهداف ردعية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

ومع ذلك، يحذر خبير اقتصادي من أن اعتماد الصين الكبير على التجارة الخارجية يجعل أي اضطراب واسع في حركة الملاحة الدولية سلاحاً ذا حدين، إذ قد يؤدي إلى تداعيات سلبية مباشرة على اقتصادها، ما يفرض على بكين موازنة دقيقة بين المكاسب والمخاطر في مثل هذه الاستراتيجيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى