خارج الصندوقخفايا وكواليسنبض الساعةهيدلاينز

من الأمن إلى الاقتصاد: مسار باريس السوري–الإسرائيلي

خاص – نبض الشام

تحوّل في مقاربة الصراع
تمثل المفاوضات السورية–الإسرائيلية التي عُقدت في باريس مطلع العام الجاري، تحت مسمى “ضبط المسار”، محطة مفصلية في تاريخ الصراع بين الطرفين. فهي لا تستهدف إحياء المسارات التقليدية فحسب، بل تعكس توجهاً أميركياً لإعادة صياغة مفهوم الاستقرار الإقليمي عبر أدوات اقتصادية، في إطار ما تصفه واشنطن بـ”الواقعية السياسية الجديدة”.

طبيعة المسار الجديد
تعكس تركيبة الوفد الإسرائيلي المشارك في مفاوضات باريس، والتي شملت مستويات أمنية وعسكرية رفيعة، انتقال المباحثات من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة بلورة صيغ عملية. ويؤشر ذلك إلى رغبة أميركية في تثبيت ترتيبات أمنية أكثر استقراراً على الجبهة السورية، بإشراف مباشر من المبعوث الأميركي، بما يحد من احتمالات التصعيد مستقبلاً.

الموقف السوري
تتعامل دمشق مع هذا المسار ببراغماتية حذرة، مع التمسك باتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974 كمرجعية قانونية، والسعي في الوقت ذاته إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة تمنح الدولة الناشئة قدراً من الاستقرار السياسي والأمني، وتخفف من عزلتها الدولية.

الأمن مقابل السيادة
ينطلق المسار التفاوضي من محاولة التوفيق بين مقاربتين مختلفتين للأمن: مقاربة إسرائيلية تركز على تحييد مصادر التهديد، وأخرى سورية تسعى إلى تثبيت الحدود كمدخل لإعادة بناء الدولة. وفي هذا الإطار، لا يهدف الطرح الحالي إلى تحديث اتفاق 1974 فقط، بل إلى إنتاج صيغة أمنية–اقتصادية جديدة تعيد تعريف وظيفة الجولان.

المقترح الاقتصادي
وفق تقارير إعلامية أميركية، طرحت واشنطن خلال مفاوضات باريس فكرة إنشاء “منطقة اقتصادية منزوعة السلاح” على الحدود السورية–الإسرائيلية. ويهدف المقترح إلى خفض الاحتكاك العسكري، وتحفيز التنمية عبر مشاريع في الطاقة والزراعة والسياحة، وبناء الثقة تمهيداً لترتيبات سياسية أوسع، بإشراف آلية تنسيق مشتركة مقرها عمّان.

اتفاقية 1974: تجاوز وظيفي
لا يسعى المقترح الأميركي إلى إلغاء اتفاقية فضّ الاشتباك، بقدر ما يعمل على تجاوزها عملياً عبر إدخال عناصر اقتصادية ومدنية لم تكن جزءاً من الترتيبات العسكرية السابقة. ويُنظر إلى هذا الطرح كوسيلة لتجاوز عقدة الجولان مؤقتاً، دون الخوض في ملفات السيادة الشائكة.

التحديات الداخلية
يواجه هذا المسار تحديات داخلية في سوريا، تتعلق بالإرث الأيديولوجي والضغط الشعبي، ما يفرض على الإدارة الجديدة موازنة دقيقة بين متطلبات البراغماتية السياسية والحفاظ على التماسك الداخلي.

بين الواقعية والقيود
في المحصلة، يشكل مسار باريس اختباراً حقيقياً لمدى قابلية تحويل الصراع من منطق المواجهة إلى منطق المصالح. فإما أن تنجح الواقعية السياسية في فتح نافذة للاستقرار الاقتصادي، أو تعود العملية التفاوضية رهينة التعقيدات الداخلية والإقليمية، بما يعيد إنتاج الجمود بصيغ جديدة.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى