سد النهضة يعود للواجهة… هل تغيّر أميركا قواعد اللعبة؟
خاص – نبض الشام
عاد ملف سد النهضة إلى صدارة المشهد الإقليمي مع عرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب استئناف وساطة رفيعة المستوى بين مصر وإثيوبيا، في خطوة أعادت الأمل لدى البعض وأثارت القلق لدى آخرين. وبين ترحيب القاهرة المشروط، وحذر أديس أبابا، ودعم سوداني حذر، بدا أن واشنطن تدخل مجدداً إلى حقل ألغام سياسي طالما فشلت فيه القوى الدولية سابقاً.
الوساطة الأميركية
يحمل الطرح الأميركي تناقضاً واضحاً بين خطاب دبلوماسي يدعو إلى تقاسم عادل للمياه، وتحذيرات صريحة من أن استمرار الأزمة قد يقود إلى مواجهة عسكرية واسعة. هذا المزج بين الترغيب والترهيب يكشف أن واشنطن لا تتحرك فقط بدافع إنساني أو قانوني، بل ضمن رؤية جيوسياسية أوسع تسعى لإعادة تثبيت نفوذها في القرن الإفريقي وربط الاستقرار الإقليمي بالمصالح الأميركية.
الخطوط الحمراء
الرد المصري جاء سريعاً ومشحوناً بلغة السيادة والحقوق التاريخية. فمصر تدرك أن أي مفاوضات جديدة دون ضمانات ملزمة قد تمنح إثيوبيا وقتاً إضافياً لترسيخ الأمر الواقع. لذلك جاء ترحيب السيسي بالوساطة مقروناً بتأكيد صارم على أن النيل مسألة أمن قومي لا تقبل المساومة، في موقف يعكس تناقضاً بين الانفتاح السياسي والتصلب الاستراتيجي.
موقف إثيوبيا
في المقابل، تنظر أديس أبابا إلى السد باعتباره مشروعاً سيادياً وتنموياً لا يجوز ربطه بإملاءات خارجية. قبول الوساطة الأميركية يعني ضمنياً الاعتراف بوجود نزاع قانوني حول تشغيل السد، وهو ما حاولت إثيوبيا تفاديه لسنوات. لذلك يظهر الموقف الإثيوبي متأرجحاً بين الرغبة في تخفيف الضغوط الدولية والحفاظ على صورة المشروع كإنجاز وطني غير قابل للتراجع.
السودان.. وسيط
أما الخرطوم فتجد نفسها بين طرفين متنازعين، مستفيدة نظرياً من كهرباء السد، لكنها متضررة عملياً من غياب التنسيق الفني. دعم السودان للوساطة الأميركية يعكس بحثه عن مظلة دولية تفرض التزامات تشغيل واضحة، في ظل ضعف قدرة الاتحاد الإفريقي سابقًا على إلزام الأطراف.
تناقضات الدور الأميركي
الولايات المتحدة تعود اليوم إلى الملف الذي انسحبت منه سابقاً بعد فشل اتفاق 2020، ما يطرح تساؤلات حول جدية التحرك الجديد. فترامب نفسه سبق أن أطلق تصريحات تصعيدية هزت الثقة في حياد واشنطن، قبل أن يعود الآن بطرح سلام اقتصادي قائم على تبادل الكهرباء مقابل الاستقرار. هذا التذبذب يعكس سياسة أميركية متناقضة تجمع بين الرغبة في لعب دور الوسيط وفرض النفوذ السياسي.
فرصة للحل؟
ملف سد النهضة يدخل مرحلة جديدة عنوانها وساطة أميركية تحمل في طياتها فرصاً للحل ومخاطر لإعادة تعقيد المشهد. وبين تمسك مصر بحقوقها التاريخية، وإصرار إثيوبيا على سيادتها، وتطلع السودان لضمانات فنية، تبقى واشنطن لاعباً متقلباً يحاول تحقيق توازن دقيق بين الدبلوماسية والمصالح، في نزاع مائي قد يتحول إلى اختبار حقيقي لجدوى الوساطات الدولية في المنطقة.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




