ما بين تظاهرات عن تحريم الغناء، وما سواها من شعارات عن قدسية مدينة البصرة، خيمت حالة من الصمت على جماعات الفضيلة وهم يشاهدون حفلة التحرش الجماعي التي تعرضت لها فتاة بصراوية، جريمتها الوحيدة انها اعتقدت ان القانون سيحميها، وان رجال الشرطة الذين ينصبون الكمائن لكل من تسول له نفسه ادخال قنينة خمر الى المدينة، سيسارعون الى نجدتها، فإذا بها تجد نفسها وسط غابة من الوحوش البشرية .
والغريب ان هذا الجرم الشنيع، على النحو الذي شاهدناه في مواقع التواصل الاجتماعي، وجد له البعض التبرير الجاهز: ” وشعدها سافرة وطالعة تتمشى على الكورنيش “، او ما اخبرنا به البعض من ان الذي حصل كان بسبب الغزو الغربي لمجتمعاتنا والتشجيع على الاحتفال بأعياد رأس السنة.
إن التغطية على هذه الوحشية وانحدار الحس الإنساني والأخلاقي، بالتفتيش عن حججٍ في جريمة تحرش جنسي واعتداء على فتاة، هو الجريمة الأكبر التي يجب على القانون ان يتصدى لها وان يحاسب كل من شجع وسعى الى تحويل شوارع مدننا الى مصائد للفتيات.
دعك من أن الفتاة ارادت ان تحتفل بأعياد رأس السنة ، فكونها سافرة، لا يجعلها مخالفة للقانون والشرع، ولكن يجعلنا نحن غارقون في مستنقعٍ لا أخلاقي، ويحول الفتاة من ضحية الى مسؤولة عن الجريمة، ويجعل البعض من ” حماة الاخلاق ” لا يستشعرون عاراً إنسانياً، وهم يشاهدون مجموعةً من الوحوش البشرية تحاصر الفتاة وتحاول تمزيق ثيابها وتعريتها.
للأسف اصبحنا لا نعرف المقياس الذي يحدّد به حماة الاخلاق حجم الحرية المسموحة للمرأة في المجتمع، وما إذا كان من حقها ان تسير بمفردها في الشارع،، لكن ما نعرفه جيداً أن الفتاة التي صرخت بأعلى صوتها ليست وحدها التي تعرضت للتحرش، في مدينة البصرة، وإنما هي إشارة على ان البلاد كلها ممكن ان يتم تعريتها لو لم تخضع لقوانين حماة الاخلاق والفضيلة.
سيقول البعض إن الموضوع بسيط وصغير، لكن ما نعرفه أن مثل هذه الحوادث تمر دون ان يحاسب المعتدين، وان القانون يقف عاجزا امام سطوة القبيلة والامتياز الحزبي. ان ما جرى في مدينة البصرة ” لؤلؤة العراق ” التي عرفت بمدنيتها وباحترامها للمرأة، قد بدأ بتشجيع الوضاعة الإنسانية واستحسانها، من خلال خطب وبيانات وممارسات تشجع على محاصرة النساء ومنع الفرح.
اليوم نحن فى حاجة إلى أن نسترجع بصرة سيتا هاكوبيان وشوقية، وديزي الامير وسميرة المانع ودنى غالي بثقافتهن وفنونهن، بعيدا عن خطب علي الطالقاني ومظاهرات البصرة ” مدينة مقدسة “.
المصدر: المدى
تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”




