نبض الساعةنبضات وآراءنبضاتهمهيدلاينز

قطار الشرع إلى واشنطن: بين الشرعية والصدام

مقال لـ سعد الدالاتي

تتجهّ الأنظار نحو زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن، وهي خطوة أكّدها وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، حين أعلن أن الشرع سيزور البيت الأبيض خلال شهر تشرين الثاني الجاري. من جهة ثانية، أعلن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، أن الزيارة ستُجرى خلال نوفمبر، متوقعًا أن يوقّع الشرع فيها على اتفاق انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة.

يحمل اللقاء مكاسب سياسية وعسكرية واضحة، أبرزها منح الدولة السورية تفوقاً استراتيجياً يتيح إعادة هيكلة المشهد العسكري المحلي. يُمكّن هذا التفوق من دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن جيش سوري موحد تحت قيادة مركزية، ما يعيد احتكار القوة لصالح الدولة ويعزز قدرتها على ضبط الأمن وتنسيق العمليات العسكرية بشكل متكامل.

أبرز المكاسب يتمثل في منح الرئيس أحمد الشرع شرعية دولية تعزز موقعه ضمن منظومة الشرعية العالمية، بما يرسخ مكانة دمشق على الساحة الدولية. يشمل هذا التطور إزالة اسمه من قوائم الإرهاب، إلى جانب شخصيات بارزة في الحكومة مثل الوزراء أبو قصرة وأنس خطاب والشيباني، ما يقوي صورة الدولة كفاعل سياسي معترف به عالمياً. إضافة إلى ذلك، احتمالية إلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب يفتح المجال أمام استئناف العلاقات الدبلوماسية الرسمية ويمهد الطريق لمفاوضات لاحقة حول رفع العقوبات الاقتصادية وتحرير الأصول المجمدة، ما يعيد إدماج الدولة ضمن النظام المالي والسياسي الدولي.

يواجه هذا التحول تحديات أمنية وفكرية معقدة تشكل اختباراً لقدرة الدولة السورية على فرض هيكلية موحدة للسلطة العسكرية. أولى هذه التحديات تنشأ من اعتراض بعض الدول، مثل فرنسا والصين، على دمج عناصر أجنبية ضمن الجيش السوري، ما يخلق احتمال تحرك المقاتلين الأجانب نحو مقاومة أو تمرد إذا شعروا بتهميش يضعهم تحت ضغوط دولهم الأم. مما يضع الدولة أمام معضلة في الموازنة بين مطالب الشركاء الدوليين وضرورة الحفاظ على ولاء الوحدات العسكرية الأجنبية.

ثاني هذه التحديات يتمثل في التحام فصائل جهادية تشترك في عقيدة متقاربة لمواجهة المشروع الجديد، مستندة إلى اعتبارات دينية دقيقة تتعلق بمبدأ الولاء والبراء. بقايا جند الأقصى وحراس الدين وغيرها ، التي تعرّضت لضربات متواصلة من التحالف الدولي، قد تشكل خلايا عمل محتملة، وقد تتخذ خطوات تكتيكية لتعطيل جهود الدمج أو الهجوم على مؤسسات الدولة إذا اعتبرت المشروع خيانة عقائدية. هذه الديناميكية تعقد المشهد الأمني، وتجعل من إدارة اندماج القوى المسلحة تحدياً يحتاج إلى تخطيط متكامل، يوازن بين دمج الفصائل، ضبط الولاء، وتعزيز الاستقرار العسكري والسياسي، لضمان أن يترجم التفوق الاستراتيجي للدولة إلى واقع ملموس على الأرض دون تفكك أو انفلات عناصر غير خاضعة للقيادة المركزية.

التحدي الثالث يتجلى في احتمالية اندماج تجمعات تدين بالولاء للقاعدة مع عناصر من تنظيم الدولة، في سيناريو لا يمكن فصله عن المشهد الجهادي كما كان قبل عام 2013، حين منح الظواهري أحقية التواجد في سوريا لجبهة النصرة، فيما وجّه تنظيم الدولة للعودة إلى العراق، ما أسفر عن شرخ بين القيادات الثلاث آنذاك، أعقبه سلسلة تحولات أجبرت كل كيان على العمل وفق رؤيته الخاصة واستراتيجياته الميدانية المختلفة. اليوم، تعيد القيادة الشرعية لتنظيم القاعدة قراءة ولاءاتها الفكرية، مع توجه متوقع نحو تقارب مع تنظيم الدولة، معتبرة التحالف الجديد بين دمشق وواشنطن خيانة عقائدية تستوجب مواجهة مباشرة على الأرض. هذا التحالف العقائدي يمتد أثره إلى خارج سوريا، كما يظهر في مناطق مثل مالي، حيث تنفذ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجمات واسعة في مالي وبوركينا فاسو ونيجيريا، مؤكدة على ولاء مزدوج لكل من القاعدة وتنظيم الدولة، ما يعكس قدرة الشبكات العابرة للحدود على التأثير في المشهد الإقليمي.

على الأرض السورية، تظهر فصائل صغيرة ذات أيديولوجيا صارمة، أبرزها كتيبة الغرباء بقيادة عمر أومسين، التي برزت خلال اشتباكات مع قوى الأمن العام في مدينة حارم، ما يدل على قدرة هذه الفصائل على استغلال الفراغات الأمنية وإثارة اضطرابات محلية، بما يشكل تهديداً مباشراً لجهود إعادة الدمج والهيكلة العسكرية.

في هذا السياق، تتحول زيارة الشرع إلى حدث محوري يعيد تشكيل المشهد السوري من جذوره، فاتحة مرحلة جديدة تتشابك فيها الأبعاد السياسية بالميدانية، وتعيد رسم التحالفات العسكرية والأمنية على أسس مختلفة تماماً عن تلك التي سادت المنطقة خلال العقد الماضي، مع إبراز دمشق كلاعب مركزي قادر على إعادة ترتيب موازين القوة داخلياً وإقليمياً، وضبط ديناميات الفاعلين المحليين والإقليميين بما يضمن استقرار الدولة وتعزيز شرعيتها على المستويين الداخلي والدولي.

سعد الدالاتي.. صحفي ومدون سوري

 

تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى