السلاح بالنسبة لحركة حماس جاء كتوظيف سياسي بقصد إيقاف مسار أوسلو أكثر منه آلية ذات خطة قتالية، ومع وصول كارثة السلاح إلى أقصاها لم يعد مفيداً للحركة أن تختفي خلف الزناد لأن الأهم بالنسبة لجماعة الإخوان بقاء حماس في المشهد السياسي، لكي تعود إلى ممارسة دورها الذي انطلقت من أجله سنة 1987 في إزاحة منظمة التحرير الفلسطينية وقيادة المشهد الفلسطيني، خصوصاً أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت قد حصلت آنذاك على اعتراف عربي ودولي بأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
بالتالي فإن بقاء حماس في غزة بدون سلاح هو أمر لا يزال موضع تساؤل، ولكن حماس بدون سلاح في الضفة هو أمر صعب لأن الحركة تريد استثماراً سياسياً يجر الاحتلال إلى مواجهات متتالية ولو أدى ذلك إلى إعادة احتلال الضفة لأنه وفق المنظور السياسي لحماس، إن عودة الضفة تحت الاحتلال تؤدي إلى إنهاكه وتزيد من حجم المقاومة، وهو بالطبع تفكير لا يصب في المصلحة الوطنية، لأنه يعزز فكرة إشكالية الأمن لدى إسرائيل والتي تستفيد من هذه الذرائع، ما يعني أن الضفة سوف تتحول الى غزة ثانية.
فما يتم تداوله حول سلاح حماس وتضارب الفكرة في تفسير هذا البند في خطة وقف الحرب، ما بين الاكتفاء بنزع السلاح الثقيل من يد الحركة وبقاء السلاح الفردي، وهو ما يترك إشكالية وأسئلة مهمة، لأنه في حال بقاء السلاح الفردي بيد حماس سيكون ذلك موازياً لسلاح الشرطة الفلسطينية في الضفة من حيث الفاعلية، لكن الدلالة السياسية لفكرة بقائه أنه يُبقي حركة حماس كـ”كتلة عسكرية” منفصلة عن السلطة الفلسطينية، مما يترك أسئلة حول إمكانية الانتقال إلى المرحلة الثانية المتفق عليها أولاً، ثم إن ذلك سوف يضع الدولة الفلسطينية أمام معادلة صعبة، إذ إن الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية يشترط أن لا يكون هناك دور سياسي لحركة حماس في السلطة، فماذا ولو كانت حماس كتلة مسلحة أيضا؟
فمسألة الوجود الدولي ضمن اتفاق وقف الحرب هي مهمة، لأنها تجعل المواجهة على حدود قطاع غزة مع إسرائيل دولية، وسوف تفرض هذه الآلية تباعاً على إسرائيل قواعد سياسية تحول دون اقتطاع أراضٍ فلسطينية جديدة على شاكلة الضفة، غير أن وجود السلطة الفلسطينية أيضاً في غزة أمر لا بد منه، لأن المرحلة القادمة في غزة تتطلب إغلاق ملف الدماء والصراعات الداخلية بين حماس والعائلات الفلسطينية، وهذا ملف شائك لم يغلق منذ سيطرة حماس على غزة سنة 2007.
وهذا ما لا تستطيع حماس أن تقوم به بنفسها بوصفها طرفاً في المشكلة، وهو ما تصاعد في الفترة الأخيرة أمام حالة الإعدامات (ومسألة التخوين تحديداً والتي تعتبر من أخطر المسائل الاجتماعية في الوسط الفلسطيني)، خصوصاً مع تنفيذ حماس لإعدامات ميدانية بالجملة بتهم الخيانة دون مسوغ قانوني.
الحديث عن السلاح يعود مجدداً من خلال القيادي في الحركة موسى أبو مرزوق، فهو يرى أن سحب سلاح حماس سيكون مشابها لما حدث مع الجيش العراقي الذي أدى حله إلى انفلات أمني، ومنبها في الوقت ذاته من قدوم مجموعات بديلة لحماس تتسبب بحالة من الفوضى ما يعني أن حماس تريد بقاء ملف الأمن بيدها، وهي ستضمن بمقابل ذلك أمن المستوطنات الإسرائيلية، وفق ما قال: “لا يمكن أن تحقق الاستقرار وأمن المستوطنات بنزع سلاح القوة المسيطرة على المنطقة”.
هنا بالضبط تأتي الدلالة السياسية لسلاح حماس، أنها تناور حتى آخر لحظة في بقائه بيدها، وهو ما لا يزال يثير جدلاً ويعيد ما تم طرحه على المستوى السياسي في إسرائيل في وقت سابق هذا العام وتم تكراره بالأمس من خلال فكرة عزل المدنيين عن كيانية تبقى فيها حماس، ورغم أنها مستبعدة لكنها وجهة النظر الإسرائيلية التي تريد تقطيع غزة إلى جزر معزولة بحجة سلاح حماس، والسلاح أيضا سيكون نقطة مهمة أمام الدول المانحة في ظل وجود السلاح المعطل للإعمار ناهيك عن الملفات السياسية الشائكة.
لم تصل بعد غزة الى المرحلة الثانية ودخول القوى الدولية، ولم تقبل حماس بعد بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية بأنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وبالتالي رغم هول المصاب وحجم الكارثة الأكبر التي جلبها سلاح حماس في تاريخ الشعب الفلسطيني، إلا أن الحركة تستخدم السلاح كمصيدة تريد أن تنجو هي من خلاله وتترك شعباً بأكمله عالقاً فيها.
المصدر: العربية
تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”




