من العقوبات إلى الاستثمار: تحول استراتيجي في السياسة الأمريكية تجاه دمشق
خاص – نبض الشام
في تحول غير مسبوق، أعلنت الإدارة الأمريكية دعمها لإلغاء “قانون قيصر” الذي فرض عزلة اقتصادية خانقة على سوريا منذ عام 2020، ما يشير إلى بداية مرحلة سياسية واقتصادية جديدة في العلاقة بين واشنطن ودمشق. هذا التحول لا يعكس مجرد تعديل في أدوات الضغط، بل يشير إلى إعادة رسم شاملة لاستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تفتح الباب أمام عودة الاستثمارات وإعادة الإعمار بعد عقد من الحصار والعقوبات.
البيت الأبيض يفتح الباب لإلغاء “قيصر”
أكد متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن الإدارة “تؤيد إلغاء قانون قيصر”، داعياً الكونغرس إلى إدراج هذا الإلغاء ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني الجاري مناقشته حالياً. وأوضح المتحدث أن “وقف العقوبات ينسجم مع هدفنا الأساسي، وهو ضمان الهزيمة الدائمة لتنظيم “داعش”، وتمكين السوريين من بناء مستقبل مستقر”.
رسالة انفتاح نحو الاستثمار
وأضاف المسؤول الأمريكي أن واشنطن تتواصل مع شركائها الإقليميين، وتدعم أي مشاركة استثمارية تسهم في استقرار سوريا وازدهارها، في إشارة ضمنية إلى فتح الباب أمام التمويل الخليجي. ويُعد هذا الموقف بمثابة غطاء سياسي رسمي للجهود الإقليمية الرامية إلى تثبيت الاستقرار بعد مرحلة حزب البعث، التي انتهت برحيل بشار الأسد إلى روسيا في ديسمبر 2024.
مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية-السورية
جاء الموقف الأمريكي الجديد عقب قرار الرئيس دونالد ترامب في مايو 2025 برفع معظم العقوبات الاقتصادية عن سوريا، بعد لقائه بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع في الرياض — اللقاء الأول من نوعه بين زعيمين أمريكي وسوري منذ نحو ربع قرن. حينها وصف ترامب العقوبات بأنها “وحشية ومُعيقة”، مؤكداً أن رفعها “سيسمح لسوريا باستعادة عظمتها”. وبعد أسابيع، أصدر أمراً تنفيذياً أنهى العقوبات المباشرة، غير أن قانون قيصر لعام 2019 ظل ساري المفعول حتى الآن.
قانون قيصر… من أداة ردع إلى عبء اقتصادي
دخل “قانون قيصر” حيز التنفيذ في يونيو 2020 كأداة لمعاقبة نظام الأسد على الانتهاكات ضد المدنيين، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى عبء اقتصادي هائل. فقد خسر الاقتصاد السوري أكثر من 60% من ناتجه المحلي الإجمالي بين 2011 و2023، بحسب البنك الدولي، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية إلى أقل من 100 مليون دولار سنوياً بعد أن كانت تتجاوز 2.2 مليار قبل 2011.
المظلة العقابية الأوسع
بحسب تقرير لجنة “الإسكوا”، أدت العقوبات الأميركية والأوروبية إلى حرمان البلاد من مواد طبية وغذائية أساسية، رغم استثنائها رسمياً. ويُعد “قانون قيصر” المظلة الأوسع للعقوبات، إذ يفرض عقوبات ثانوية على أي كيان أجنبي يتعامل مع دمشق في قطاعات حيوية مثل الطاقة والبناء والمصارف. تقدّر المؤسسات الدولية تكلفة إعادة الإعمار بما بين 216 إلى 400 مليار دولار، ما يجعل إزالة “قيصر” شرطاً أساسياً لأي انفتاح اقتصادي حقيقي.
الانفتاح الاقتصادي والمرحلة الانتقالية
يمثل رفع “قيصر” خطوة محورية في مسار التعافي الاقتصادي السوري. فالرئيس الانتقالي أحمد الشرع — الذي تولى السلطة مطلع 2025 بعد فرار الأسد إلى روسيا — يعتبر أن إنهاء العقوبات هو المدخل الرئيسي لإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات الأجنبية.
أطلق الشرع خطة لإعادة هيكلة الاقتصاد ترتكز على ثلاث ركائز:
استقرار سعر الصرف
إصلاح القطاع العام
إعادة الثقة بالنظام المصرفي
وتشير بيانات وزارة الاقتصاد السورية إلى أن البلاد تحتاج إلى 250 مليار دولار على الأقل لإعادة بناء البنية التحتية والخدمات الأساسية.
واشنطن تمهد لشراكة جديدة
صرّح المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، أن الرئيس السوري أحمد الشرع سيتوجه إلى واشنطن هذا الشهر لتوقيع اتفاق الانضمام إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، في خطوة تمثل عودة رسمية للعلاقات الثنائية بعد عقد من القطيعة.
ما بعد قيصر… نحو مرحلة إعادة البناء
إلغاء “قانون قيصر” لا يشكل مجرد تحول قانوني، بل هو إشارة إلى نهاية مرحلة الحصار الأميركية على سوريا وبداية انفتاح اقتصادي إقليمي ودولي جديد. فبينما تسعى واشنطن إلى تحقيق استقرار دائم في الشرق الأوسط من خلال الشراكة لا العزلة، تمثل هذه الخطوة فرصة نادرة لإعادة رسم ملامح الاقتصاد السوري وربط دمشق مجدداً بالنظام المالي العالمي بعد أكثر من عقد من العقوبات والعزلة.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




