خارج الصندوقخفايا وكواليسنبض الساعةهيدلاينز

سلام ترامب: رؤية بالقوة أم تسوية شاملة؟ القمة الأمريكية العربية تحت المجهر

خاص – نبض الشام

تستعد نيويورك لاحتضان قمة أميركية – عربية – إسلامية غير مسبوقة برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في لحظة سياسية حرجة تتزايد فيها الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية. القمة تأتي وسط جهود سعودية – فرنسية لدفع عملية السلام وفق حل الدولتين، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى عرض رؤيتها الخاصة التي لا تتبنى بالضرورة هذا الحل.
هذا المشهد يثير تساؤلات حول طبيعة رؤية ترامب، ومدى قدرتها على استقطاب الدول العربية والإسلامية في ظل الضغوط الإقليمية والدولية.

القمة والاعتراف الدولي
تستعد مدينة نيويورك يوم الثلاثاء لاستضافة قمة أمريكية عربية إسلامية برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يسعى لتقديم رؤيته لتحقيق السلام في الشرق الأوسط. تأتي القمة في ظل موجة متصاعدة من الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، كان آخرها من بريطانيا وكندا وأستراليا، ضمن جهود سعودية وفرنسية لدفع عملية السلام وفق حل الدولتين، وهو ما لا تتبناه واشنطن بالضرورة. وفي هذا السياق تبرز تساؤلات حول طبيعة الرؤية التي سيعرضها ترامب ومدى قبولها من جانب الدول العربية والإسلامية.

رؤية ترامب للسلام
قدّم الباحث فادي حيلاني، من المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية، تحليلاً معمقاً لرؤية ترامب، مشيراً إلى الطابع الدعائي الواضح في سياسته وسعيه الدائم للظهور كشخص قوي قادر على تحقيق اختراقات سياسية في الشرق الأوسط، مستخدماً الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لتسويق إنجازاته.

وأوضح أن ترامب يريد أن يكون «رجل السلام» في المنطقة وأن يسجل اسمه بين الحاصلين على جائزة نوبل للسلام، في طموح شخصي لاستعراض مكانته كسياسي عالمي. لكنه، بحسب حيلاني، يتبنى مفهوم «السلام بالقوة» الذي قد يتعارض مع مصالح الشركاء العرب، إذ يركز على فرض السيطرة على غزة والقضاء على حماس وإيقاف إطلاق النار، متجاهلاً الاعتبارات السياسية المتعلقة بالدولة الفلسطينية ومصالح الشعب الفلسطيني.

كما يرى أن حل الدولتين بالنسبة لإدارة ترامب تفصيل ثانوي، وأن مقومات الدولة الفلسطينية غير متوفرة حالياً، ما يجعل أي محاولة لإقامتها مكافأة محتملة لحماس، وهو ما يعكس توجه الإدارة نحو تسويات محدودة بعيداً عن الحل السياسي الشامل.

التحديات أمام القمة
يرى حيلاني أن ترامب يواجه تحديات كبيرة في عرض رؤيته للسلام أمام القمة، مشيراً إلى أن رسائل التطمين التي قد تقدمها الولايات المتحدة للحلفاء العرب لن تكفي لإقناعهم بالانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، خصوصاً مع رفض السعودية التطبيع قبل حل الدولتين.

كما أن أي إعلان عن توسيع الاتفاقات الإبراهيمية سيتأثر بمواقف الشركاء ذوي المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المستقلة مثل تركيا ومصر، ما يصعّب فرض رؤية أميركية أحادية.

وأشار إلى أن الوضع الإنساني في غزة بعد أحداث 7 أكتوبر أصبح نقطة ضغط على الرأي العام الأوروبي والغربي وحتى داخل الولايات المتحدة، مما يضعف قدرة واشنطن على فرض حلول دون مراعاة المطالب الإنسانية والسياسية للفلسطينيين.

سلام ترامب الاقتصادي
من جانبه قدّم الباحث في مركز الأهرام للدراسات بشير عبد الفتاح قراءة متعمقة لشخصية ترامب، موضحاً أنها تتميز بحب الأضواء والرغبة في التأثير وكونه رجل أعمال وصفقات، ما ينعكس على رؤيته للسلام. ويشير عبد الفتاح إلى أن هذه الرؤية تعتمد على ثلاثة اعتبارات رئيسية:

الطموح لنيل جائزة نوبل للسلام لتعزيز مكانته التاريخية.
فرض إرادته بالقوة على الأطراف الضعيفة بما يتماشى مع سياسات نتنياهو تجاه الفلسطينيين.
تقديم مشاريع تعاون اقتصادي كبديل عن الحلول السياسية المعقدة، وهو ما يعده عبد الفتاح خطأً استراتيجياً لأن أي تعاون اقتصادي لن يدوم من دون تسوية سياسية عادلة.

ويضيف أن «سلام ترامب هو سلام التطبيع» عبر توسيع دائرة التعاون الاقتصادي والتطبيع بين إسرائيل والدول العربية مع القفز على الخلافات السياسية والقانونية واستبعاد الفلسطينيين من عملية السلام.

نقاط التلاق والاختلاف
عند مقارنة تحليلي حيلاني وعبد الفتاح نجد نقاط تلاقٍ واختلاف واضحة؛ فكلاهما يرى أن ترامب يعتمد على القوة والدعاية الإعلامية وأن رؤيته لا تتوافق مع مصالح الشركاء العرب، ويركز على التطبيع الاقتصادي ومبادرات الاتفاق الإبراهيمي متجاهلاً الخلافات السياسية. لكن حيلاني يركز على التحليل العملي والسياسي للسياسات الأميركية تجاه إسرائيل وفلسطين والرسائل التطمينية التي قد تُقدم في القمة، بينما يقدم عبد الفتاح قراءة نفسية واستراتيجية لشخصية ترامب ودوافعه الشخصية وطموحاته الإعلامية وتأثيرها على سياساته في المنطقة.

التحديات الإقليمية والاعتراف الدولي
أشار التحليل المشترك إلى عدة تحديات أمام ترامب في قمة الثلاثاء، منها تراجع الثقة العربية بالولايات المتحدة بعد العدوان الإسرائيلي على الدوحة الذي كشف انحياز الإدارة الأميركية الكامل لإسرائيل، والبحث عن شراكات بديلة مثل توجه السعودية نحو باكستان ومصر نحو تركيا لتأمين مصالحها الدفاعية بعيداً عن المظلة الأميركية، ما يقلل من قدرة ترامب على التأثير العسكري والسياسي.

كما لفت حيلاني إلى أن إدارة ترامب لا ترى في السلطة الفلسطينية شريكاً فعالاً وتتعامل مباشرة مع الدول العربية من دون تقديم حلول جذرية، ما يحد من فاعلية أي اتفاق. وبرز الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية كعامل ضغط على إسرائيل وترامب معاً، إذ قد تتخذ تل أبيب خطوات انتقامية مثل ضم أجزاء من الضفة أو تصعيد الاستيطان. ويرى حيلاني أن إدارة ترامب تهتم بضمان استقرار وقف الحرب لكنها لا تسعى لتحقيق دولة فلسطينية مستقلة، فيما يؤكد عبد الفتاح أن الاعترافات الدولية تعكس قدرة الدول العربية على استخدام نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي كأوراق ضغط ضد السياسات الأميركية الأحادية.

سيناريوهات القمة والمخاطر الاستراتيجية
مع اقتراب القمة المرتقبة تتجه الأنظار نحو لقاء قد يعيد رسم ملامح الاستقرار الإقليمي في ظل تحديات متشابكة ومصالح متقاطعة. يشير عبد الفتاح إلى أن القمة ستركز على ثلاثة محاور أساسية: تقديم تطمينات للدول العربية بأن إسرائيل لن تمثل تهديداً عسكرياً لها، إبراز ترامب كوسيط سلام إعلامي عبر تسويق مفهوم «السلام من خلال القوة» و«السلام الاقتصادي»، ومحاولة توسيع اتفاقيات التطبيع الإبراهيمية لتشمل دولاً عربية جديدة رغم استمرار رفض دول مثل السعودية الانضمام قبل حل القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين. ويشدد عبد الفتاح على أن أي مسعى لتسويق «سلام ترامبي» سيواجه تحديات حقيقية في وقت تبحث فيه الدول العربية عن شراكات موازية تضمن مصالحها بعيداً عن الضغوط الخارجية.

كما تطرق حيلاني إلى السيناريوهات المحتملة بعد الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، مشيراً إلى أن إسرائيل قد ترد بضم أجزاء من الضفة أو توسيع الاستيطان، وأن غرور نتنياهو وقوة إسرائيل قد يقابلهما قيود استراتيجية من مصر التي تعد الدولة الوحيدة القادرة على كبح جماح إسرائيل. وأشار إلى أن أي حرب محتملة بين مصر وإسرائيل قد تتطور لتشمل تدخلات عربية ودولية، ما قد يؤدي إلى تغييرات جيوسياسية كبيرة في المنطقة وظهور نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب حيث تتصاعد أدوار روسيا والصين كقوى كبرى.

ليست قمة نيويورك الأمريكية – العربية – الإسلامية لقاءً روتينياً، بل اختباراً حقيقياً لقدرة إدارة ترامب على إعادة صياغة صورتها ومصداقيتها أمام شركائها العرب. فبين طموحات الرئيس الأميركي في الظهور «رجل السلام» وتحقيق مكاسب دعائية، وبين واقع المصالح العربية المتنوعة والضغوط الدولية، يبدو أن الطريق نحو سلام مستدام في الشرق الأوسط لا يزال محفوفاً بالتحديات.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى