خارج الصندوقسياسيات متناقضة

حق المرأة في الإجهاض.. معركة بين الحرية والقيود

خاص – نبض الشام

التناقض سمة لصيقة بالواقع الإنساني والاجتماعي، ويظهر بشكل واضح عندما تتعارض المبادئ المعلنة مع الممارسات الواقعية. ومن أبرز القضايا التي تجسّد هذا التناقض اليوم قضية حق المرأة في الإجهاض داخل الاتحاد الأوروبي، إذ تصطدم دعوات المساواة والحرية الفردية بقيود قانونية وسياسية متفاوتة بين دولة وأخرى. المبادرة الشعبية الأوروبية “صوتي، خياري” تمثل نموذجاً حياً لهذا الصراع بين قيم الديمقراطية والحرية من جهة، وتوجهات التيارات المحافظة أو المتشددة من جهة أخرى.

تناقض بين المبادئ والواقع
يؤكد الاتحاد الأوروبي في وثائقه الرسمية التزامه بالدفاع عن حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق النساء، لكن الواقع يكشف عن تفاوتات صارخة. ففي حين تحصل ملايين النساء في بعض الدول الأوروبية على خدمات إجهاض آمنة وميسّرة، تحرم ملايين أخريات من هذا الحق بسبب القيود القانونية. هذا التناقض يطرح سؤالاً محورياً: كيف يمكن لكيان موحّد أن يتبنّى قيماً مشتركة بينما يترك قرارات جوهرية تتعلق بحياة الأفراد لسلطة القوانين الوطنية؟

التفاوت بين الدول الأوروبية

البرتغال وكرواتيا: تسمحان بالإجهاض حتى 10 أسابيع.

هولندا: تقدم أوسع فترة زمنية تصل إلى 24 أسبوعاً.

معظم الدول الأوروبية: تعتمد مهلة 12 أسبوعاً.

بولندا ومالطا: تطبّقان قيوداً شبه كاملة، لا تسمح بالإجهاض إلا في ظروف استثنائية.

هذا التباين لا يعكس فقط اختلاف التوجهات السياسية، بل يضع النساء في أوضاع غير متكافئة. امرأة في أمستردام قد تحصل على رعاية آمنة، بينما أخرى في وارسو تواجه خطر الموت بسبب القيود المفروضة.

البعد السياسي للتناقض
تأتي العريضة في وقت حساس سياسياً، مع صعود تيارات اليمين المتطرف التي تسعى إلى تقويض مكتسبات الحقوق الأساسية. الناشطات يعتبرن أن تحويل مسألة إنسانية وصحية إلى ساحة صراع سياسي “أمر مخزٍ”، ويكشف عن تناقض آخر: الدول التي تدّعي حماية “الحياة” تفرض ظروفاً قد تودي بحياة النساء.

التناقض في قوانين الإجهاض داخل الاتحاد الأوروبي ليس مجرد اختلاف قانوني، بل هو انعكاس لصراع أعمق بين الحرية الفردية والتقاليد المحافظة، وبين الشعارات الديمقراطية والواقع العملي. المبادرة الشعبية الأخيرة قد تمثل فرصة لفتح نقاش أوروبي أوسع حول ضرورة توحيد القوانين بما يضمن حماية النساء ويترجم قيم الاتحاد إلى واقع ملموس. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يملك الاتحاد الأوروبي الإرادة لتجاوز هذه التناقضات، أم سيظل يراوح بين المبادئ المعلنة والتطبيق المتناقض؟

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى