ترامب يرسم خطوطه الحمراء: كيف أضاع بوتين فرصة السلام؟
ترجمة – نبض الشام
بعد أشهر من محاولات التقارب، يواجه فلاديمير بوتين اليوم تحوّلاً حاسماً في موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الحرب في أوكرانيا. فبدلاً من المسار السلمي الذي أتاحه ترامب، اختار بوتين التصعيد وارتكاب أخطاء استراتيجية أبرزها قصف المدنيين بعد قمتهما في ألاسكا. الآن يرد ترامب بخطة صارمة لدعم كييف وردع موسكو، معلناً خطوطه الحمراء بوضوح.
ترامب يدعم كييف علناً
يعبر كثيرون عن دهشتهم من التحول “المدهش” و”الاستثنائي” في موقف الرئيس دونالد ترامب بشأن أوكرانيا، بعد أن أعلن في منشور على “تروث سوشال” ،الثلاثاء الفائت، أن روسيا “نمر من ورق” وأنها “تخوض حرباً بلا هدف منذ ثلاث سنوات ونصف، حرباً كان يجب أن تحسمها قوة عسكرية حقيقية في أقل من أسبوع”. وقال ترامب إنه بمساعدة الغرب يمكن لكييف “أن تقاتل وتستعيد كل أوكرانيا”.
لكن بالنسبة لمن يراقبون ترامب عن كثب، فليس هناك ما هو استثنائي في ذلك. كان قرار ترامب دعم كييف ضد روسيا حتمياً.
فرص سلام ضائعة
منح ترامب بوتين كل فرصة لإثبات اهتمامه بالسلام. لكن بدلاً من اغتنام الفرصة لإنهاء الحرب، سحب الديكتاتور الروسي ترامب معه لأشهر. هذا الصيف، لاحظ ترامب أن بوتين كان يقول إنه يريد السلام خلال محادثات هاتفية “رائعة”، لكن السيدة الأولى الأمريكية كانت تقول له: “هذا غريب، لأنهم للتو قصفوا داراً للمسنين”. لم يكن ذلك خيالاً. تحليل “وول ستريت جورنال” يُظهر أن بوتين كان يكثف الهجمات العسكرية بانتظام بعد محادثاته مع ترامب.
قمة ألاسكا ونكث العهود
كان خطأ بوتين الكبير قبول دعوة ترامب لحضور القمة في ألاسكا الشهر الماضي. فرش ترامب السجاد الأحمر له، وتعامل معه كزعيم عالمي شرعي بدلاً من المنبوذ الدولي الذي هو عليه فعلاً. وكان التفاهم الضمني أن تلي ذلك القمةَ الألاسكيةَ لقاءٌ ثنائي بين بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يعقبه اجتماع ثلاثي بين القادة الثلاثة.
انغمس بوتين في الأبهة والبروتوكول، واحتفظ بالمكانة التي منحها له ترامب ونكث التزامه. بل إنه صعّد قصف المدنيين بشكل كبير. في ألاسكا، سلم ترامب بنفسه لبوتين رسالة مؤثرة من زوجته ميلانيا ترامب تحثه على صنع السلام من أجل الأطفال المتضررين من الحرب. ورد بوتين بقصف روضة أطفال (صفعة في وجه السيدة الأولى).
تصعيد عابر للحدود
ثم في 7 سبتمبر، شن بوتين أكبر هجوم جوي في الحرب، مستهدفاً مقر مجلس الوزراء في كييف الذي يضم مكاتب رئيس الوزراء وكبار المسؤولين (محاولة لضربة قطع الرأس). وبعد أيام، أرسل بوتين طائرات مسيرة عسكرية إلى المجال الجوي لبولندا ورومانيا. وبعد أسبوع، انتهكت ثلاث طائرات مقاتلة روسية المجال الجوي الإستوني.
لقد جادل ترامب على نحو صحيح أن ضعف الرئيس جو بايدن هو الذي دعا بوتين لغزو أوكرانيا، وهو ما لم يكن ليحدث لو كان ترامب رئيساً، والآن بوتين يختبر صلابة ترامب ويبحث عن نقطة ضعف. هذا خطأ. ترامب لن يتراجع في مواجهة تصعيد بوتين.
خطة ترامب للردع
ما هو مطلوب الآن هو حملة منسقة لإظهار أنه لا يوجد طريق للنصر أمام بوتين. الخطوة الأولى يجب أن تكون استراتيجية لإخراج النفط والغاز الروسيين من السوق العالمية بالطريقة نفسها التي أخرج بها ترامب معظم النفط والغاز الإيرانيين من السوق خلال ولايته الأولى: بفرض تعريفات ثانوية مدمرة على جميع الدول التي تشتري النفط والغاز الروسيين.
لسوء الحظ، يتضح أن هذه الدول تشمل دول الناتو. الاتحاد الأوروبي هو أكبر مشترٍ للغاز الطبيعي الروسي في العالم، إذ يشتري 51 في المئة من صادرات روسيا من الغاز الطبيعي المسال و36 في المئة من غازها عبر الأنابيب. في الواقع، يشير تقرير حديث إلى أن واردات الاتحاد الأوروبي من الوقود الأحفوري الروسي تجاوزت كل المساعدات المالية الأوروبية المرسلة إلى أوكرانيا. وكما أشار ترامب في خطابه بالأمم المتحدة: “إنهم يمولون الحرب ضد أنفسهم”.
أسوأ المنتهكين الأوروبيين هي المجر —بقيادة حليف ترامب فيكتور أوربان — تليها سلوفاكيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا. أكبر مشترٍ عالمي لمنتجات النفط الروسي هي تركيا —استضاف ترامب الرئيس رجب طيب أردوغان في المكتب البيضاوي هذا الأسبوع— حيث تستهلك أكثر من ربع صادرات روسيا. يجب على ترامب أن يصر على توقفهم فوراً. كما قال في الأمم المتحدة: “الولايات المتحدة مستعدة تماماً لفرض جولة قوية جداً من الرسوم الجمركية القوية”، ولكن “لكي تكون هذه الرسوم فعالة، يجب على الدول الأوروبية أن تنضم إلينا في تبني التدابير نفسها بالضبط”.
خط أحمر للناتو
الخطوة الثانية: الرد بقوة على أي انتهاكات روسية أخرى للمجال الجوي للناتو. وعندما سُئل ترامب عما إذا كان يعتقد أن على دول الناتو إسقاط الطائرات الروسية التي تعبر حدودها، أجاب: “نعم، أعتقد ذلك”. ورد وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي على منصة “x”: “تم الاستلام”.
رفع القيود عن كييف
الخطوة الثالثة: بيع أوكرانيا الأسلحة التي تحتاجها لوضع القوات الروسية في موقع الدفاع ورفع القيود التي فرضها بايدن والتي منعت أوكرانيا من استخدام أسلحة الناتو لضرب الأراضي الروسية. كما أشار ترامب على “تروث سوشال” الشهر الماضي: “من الصعب جداً، إن لم يكن مستحيلاً، الفوز في حرب دون مهاجمة بلد الغزاة”، مضيفاً أن “جو بايدن الفاسد وغير الكفء بشكل صارخ لن يسمح لأوكرانيا بالقتال والرد، بل فقط بالدفاع. كيف كان ذلك؟”. هو على حق. لذا، يجب رفع القيود عن أوكرانيا، والسماح لكييف بضرب الأهداف العسكرية وكذلك أهداف الطاقة داخل روسيا.
صفقة سلاح مربحة
وضع ترامب خطة لبيع الأسلحة الأميركية إلى الناتو، تدفع ثمنها الدول الأوروبية، والتي بدورها ستوفرها لأوكرانيا. هذا الترتيب لا يحمي دافعي الضرائب الأمريكيين فحسب، بل يدر أيضاً إيرادات ويعزز القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية. إنه مكسب مزدوج لأوكرانيا والأمن القومي الأميركي.
سياسة ثابتة لا انقلاب
لنكن واضحين: لا شيء من هذا يُعد تغييراً في السياسة. ففي مقابلة في يوليو 2023 مع ماريا بارتيرومو على “فوكس نيوز”، حذر ترامب من أنه إذا لم يوافق بوتين على اتفاق سلام، فسوف يعطي الأوكرانيين أسلحة أكثر من أي وقت مضى. وعندما أجريت مقابلة معه في “مارا-لاغو” في سبتمبر، أكد أن هذه ستكون سياسته.
منح ترامب بوتين فرصة تاريخية لصنع السلام، لكن الزعيم الروسي اختار التصعيد والإهانة. اليوم يقف ترامب على أرضية صلبة، محدداً خطوات عملية لدعم كييف وتقييد موسكو، في رسالة واضحة: استفزاز الرئيس الأميركي ليس خياراً آمناً، والرهان على ضعفه قد ينقلب إلى ندم سياسي واستراتيجي باهظ الثمن.




