اتفاق 10 مارس بين دمشق و”قسد”: تسوية مؤجلة أم صراع مستمر؟
خاص – نبض الشام
رغم مرور أشهر على توقيع اتفاق العاشر من مارس بين السلطة الانتقالية في دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية”، ما يزال مسار تنفيذه متعثراً وسط تبادل الاتهامات وتفاقم التوترات الميدانية. الاتفاق الذي وُصف حينها بأنه اختراق سياسي غير مسبوق يواجه اليوم ضغوطاً تركية، ومخاوف كردية، وتكتيكات تأجيل من جانب دمشق. هذا المشهد يهدد بتحويل الاتفاق من وثيقة تأسيسية للتسوية إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي والداخلي.
تصاعد العنف وتآكل فرص التسوية
تشهد الساحة السورية تصاعداً في ظواهر العنف المتنقلة التي تتجاوز البعد الطائفي إلى البعد القومي، كان آخرها أحداث السويداء بحق الدروز والساحل بحق العلويين، وصولاً إلى هجوم أم التينة بريف حلب. هذه التطورات تعكس استمرار ذهنية السلطة الانتقالية في دمشق بعدم الانخراط بجدية في مسار التحول الديمقراطي أو القطيعة مع الإرث الجهادي لبعض رموزها، ما يفاقم التوترات ويؤجل أي حل سياسي حقيقي.
الاتفاق كوثيقة تأسيسية مؤجلة
اتفاق العاشر من مارس، الذي جمع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بقائد “قسد” مظلوم عبدي، كان بمثابة إطار عملي للتسوية وتخفيف التوترات الطائفية والميدانية. إلا أن غياب معالجة قضية الإقصاء الجغرافي وغياب التمثيل الديمغرافي يفرغان مؤسسات الدولة من مشروعيتها ويعطلان إمكان نجاح الاتفاق.
مركزية السلطة والتمكين السياسي
الإعلان الدستوري الذي صدر لاحقاً منح الشرع صلاحيات واسعة فوق دستورية، وقوّض صلاحيات المؤسسات التشريعية والقضائية، وركز السلطة في يده، ما أسس لحكم مركزي سلطوي. إضافة إلى ذلك، تم استبعاد مناطق واسعة تحت سيطرة “الإدارة الذاتية” من الانتخابات بدعوى اعتبارات أمنية، ما يعمق الإقصاء ويُفقد الاتفاق أرضيته التوافقية.
انتقائية التنفيذ والاتهامات المتبادلة
السلطة الانتقالية تتعامل بانتقائية مع الاتفاق، وتختزل المناطق الكردية في مواردها الاقتصادية وتفرض هيمنة أمنية على شرق الفرات. في المقابل، ترى “قسد” أن المركزية أصبحت خطراً وجودياً عليها بعد المجازر التي ارتكبتها القوات الحكومية والميليشيات الموالية لدمشق في الساحل والسويداء. هذا المناخ عزز رفض الشارع الكردي للحكم المركزي وأثار الشكوك حول نوايا دمشق.
البعد التركي في تعطيل الاتفاق
تحذيرات الشرع الأخيرة من تحرك عسكري تركي تعكس حجم التأثير التركي على السلطة الانتقالية في دمشق، حيث وصف محللون الوضع وكأن المناطق الخاضعة للشرع باتت محافظة تركية جديدة. تركيا من جانبها تلوّح بالعملية العسكرية وتستخدم الفصائل الموالية لها كورقة ضغط، بينما تحجم عن مواجهة واسعة لتجنب ارتدادات داخلية على مسار مفاوضاتها مع “العمال الكردستاني”.
تطور المطالب الكردية وصيغة اللامركزية
بعد مؤتمر “وحدة الصف الكردي”، تطورت المطالب الكردية من اعتراف دستوري محدود إلى مشروع “سوريا لا مركزية”، أقرب إلى فيدرالية عملية، في ظل اقتناع متزايد بأن زمن المركزية البعثية انتهى. “قسد” تؤكد أنها لن تسلم سلاحها أو تتنازل عن موقعها إلا ضمن شراكة حقيقية تضمن حقوق جميع المكونات السورية.
اتهامات متبادلة ومشهد ميداني متوتر
دمشق تتهم أجنحة داخل “قسد” و”العمال الكردستاني” بعرقلة تنفيذ الاتفاق، فيما يرد المسؤولون الكرد بأن الإعلان الدستوري أفرغ الاتفاق من محتواه، وأن دمشق تحاول تفسير بند “الدمج العسكري” كتسليم كامل للسلاح، وهو ما لم ينص عليه الاتفاق. الاشتباكات الأخيرة في أم التينة بحلب، التي أودت بحياة مدنيين، عمقت القناعة بانعدام شراكة حقيقية بين الطرفين.
موقف “قسد” ورسائلها
مدير المركز الإعلامي في “قسد” أكد أن اتفاق “10 مارس” كان محاولة لبناء الثقة ووقف إطلاق النار، لكنه اتهم الحكومة السورية بتكرار نهج “البعث” والتركيز على الأمن والعسكر. كما رأى أن الجيش السوري الجديد غير مهيأ لاستقبال “قسد” كقوة منظمة، فيما اتهم نائب الرئاسة المشتركة بدران جيا كرد دمشق بالمماطلة في تنفيذ بنود الاتفاق والمراهنة على عامل الوقت لإنهائه.
الضغوط الدولية والمأزق الداخلي
انفتاح واشنطن على سوريا يُنظر إليه براغماتياً، فيما يأمل الأكراد بسياسة أمريكية متوازنة تسهم في حل مستدام. في المقابل، ترى القوى الكردية أن تصريحات الشرع عن صون حقوق الأكراد في الدستور لا تشكل ضمانة حقيقية بعدما تم الانقلاب على الاتفاق فور توقيعه عبر الإعلان الدستوري وعدم استقبال الوفد الكردي المشترك.
تُظهر الوقائع أن اتفاق العاشر من مارس تحول من فرصة نادرة للتسوية إلى ورقة ضغط متبادلة بين دمشق و”قسد” تحت تأثير الضغوط التركية والإقليمية. ومع استمرار الإقصاء الجغرافي والمماطلة في التنفيذ وتنامي انعدام الثقة، يبدو أن الاتفاق بات أقرب إلى اختبار لمستقبل الحكم في سوريا ما بعد الأسد: هل تسير نحو صيغة لا مركزية جامعة تعترف بجميع المكونات أم تعود إلى دائرة المركزية الصلبة التي أشعلت الصراع أصلاً؟
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




