خارج الصندوقخفايا وكواليسنبض الساعةهيدلاينز

ما وراء الانسحاب من جلسة “حصر السلاح” في لبنان؟

خاص – نبض الشام

في مشهد جديد يعكس هشاشة الوضع السياسي اللبناني، تحوّلت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة في قصر بعبدا إلى ساحة مواجهة غير معلنة حول ملف السلاح. فما إن بدأ قائد الجيش العماد رودولف هيكل عرض خطته المتكاملة لحصر السلاح بيد الدولة، حتى انسحب الوزراء الشيعة الخمسة بشكل متزامن، في خطوة بدت أقرب إلى رسالة سياسية واضحة مفادها أن التوقيت غير مناسب وأن النقاش حول هذا الملف سيبقى مؤجلاً طالما لم يحظَ بإجماع وطني.

الانسحاب لم يكن مجرد اعتراض عابر، بل كشف عن عمق الانقسام الداخلي حول قضية تُعد من أكثر الملفات حساسية في لبنان منذ عقود. فالحكومة التي اجتمعت تحت ضغط أميركي وخليجي متزايد، كانت تأمل بإعطاء دفع لمسار تجريد حزب الله من سلاحه، باعتباره شرطاً أساسياً لاستمرار المساعدات المالية والعسكرية. غير أن الموقف الشيعي قلب الطاولة، وجعل النقاش يقتصر على “أخذ العلم” بالخطة من دون تبنّيها أو السير في تنفيذها.

في المقابل، تتزايد الضغوط الخارجية على بيروت. فبحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، تعتبر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الوقت يضيق أمام لبنان لاتخاذ خطوة حاسمة، ملوّحة بوقف نحو 150 مليون دولار من المساعدات السنوية للجيش في حال ترددت الحكومة أو اكتفت بالحلول الوسطية. دول خليجية دخلت أيضاً على خط الضغط، واضعة مليارات الدولارات من الدعم الاقتصادي في الميزان مقابل التقدّم في خطة حصر السلاح، فيما تراقب إسرائيل التطورات عن كثب، معتبرة أن أي نجاح في هذا الملف يمثل مكسباً استراتيجياً بعد سنوات من المواجهات عبر الحدود.

لكن حزب الله، الذي خرج من المواجهة الأخيرة مع إسرائيل مثقلاً بالخسائر البشرية والقيادية لكنه لم يُهزم بالكامل، يرى في الخطة محاولة لاستغلال “لحظة الضعف” لفرض وقائع جديدة. بالنسبة له، المسألة ليست تقنية أو أمنية بل سياسية بامتياز، تتعلق بدوره وموقعه في المعادلة اللبنانية والإقليمية. لذلك جاء الانسحاب الوزاري ليؤكد أن الحزب لن يسمح بتمرير أي قرار حكومي يمس سلاحه من دون موافقة مكوّنه السياسي.

وسط هذه التجاذبات، يجد الجيش اللبناني نفسه في وضع بالغ الصعوبة. فهو مطالب بتنفيذ قرار حكومي رسمي يتماشى مع التزامات لبنان الدولية، وفي الوقت نفسه يواجه معارضة داخلية حادة تهدد بإفقاد خطته الغطاء السياسي والميثاقي. هذا المأزق يعكس معضلة أعمق يعيشها لبنان: كيف يمكن للدولة أن توازن بين متطلبات الخارج وشروط الداخل، في ظل اقتصاد منهار وضغوط عسكرية إسرائيلية متجددة وغارات لا تتوقف على الجنوب؟

ما جرى في جلسة بعبدا لم يكن مجرد انسحاب وزراء، بل تجسيد لصراع أكبر على هوية الدولة اللبنانية ودورها. فإما أن تتمكن بيروت من صياغة تسوية تحفظ الحد الأدنى من التوازن بين خيار الدولة وخيار المقاومة، وإما أن يبقى ملف السلاح قنبلة موقوتة تهدد بانفجار جديد، في بلد اعتاد أن يعيش على حافة الأزمات.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى