ترامب وباغرام الأفغانية: رهانات الحروب المؤجلة ورسائل انتخابية ضد بايدن
خاص – نبض الشام
يثير تمسك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعادة السيطرة على قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان جدلاً واسعاً حول دوافعه وأهدافه الحقيقية. فهذه القاعدة ليست مجرد منشأة عسكرية، بل ورقة استراتيجية ترتبط بالحروب المؤجلة في آسيا ومواجهة القوى الكبرى مثل الصين وروسيا وإيران. كما تعكس تصريحات ترامب بعداً انتخابياً واضحاً يهدف إلى تحميل جو بايدن مسؤولية الانسحاب من أفغانستان وإبراز نفسه كحامٍ للمصالح الأمريكية.
قاعدة استراتيجية قديمة
تعود أهمية قاعدة باغرام إلى موقعها شمال كابول في ولاية بروان، حيث بناها الاتحاد السوفيتي في العهد الملكي بالتعاون مع الحكومة الأفغانية، ثم استخدمها الروس كقاعدة رئيسية أثناء اجتياحهم للبلاد. ومع الغزو الأمريكي عام 2001، استولت عليها القوات الأمريكية وطورتها لتصبح أكبر قاعدة جوية في أفغانستان قبل انسحابها.
رهانات جيوسياسية
يرى خبراء أن تمسك ترامب بقاعدة باغرام يعكس مكاسب إستراتيجية للتجهيز لـ”الحروب المؤجلة” في آسيا، خاصة تجاه الصين، والضغط على روسيا وإيران والتعامل مع ملفات دولية معقدة. وتُعد القاعدة نقطة ارتكاز جيوسياسية حساسة، قرب باكستان والصين وآسيا الوسطى، ما يجعلها مركز جذب لطموحات القوى الكبرى منذ عقود.
رفض أفغاني واسع
رغم محاولات أمريكية متعددة للاحتفاظ بموطئ قدم في باغرام حتى ولو بشكل رمزي، رفضت حركة طالبان ذلك خلال مفاوضات الدوحة، مؤكدةً أن أي وجود عسكري أجنبي يتعارض مع سيادة البلاد. ويشير الخبراء إلى أن هذا الرفض لا يقتصر على طالبان وحدها، بل يشمل مختلف الأوساط والتيارات الأفغانية، التي تعتبر التدخلات الأجنبية سبباً للهزائم المتكررة للقوى الكبرى، من بريطانيا إلى الاتحاد السوفيتي وصولاً إلى الولايات المتحدة.
ترامب وبايدن.. تصفية حسابات
يستغل ترامب ملف باغرام سياسياً في حملاته الانتخابية، في محاولة لتصوير الانسحاب الأمريكي كخطأ كارثي ارتكبه جو بايدن، بما يضع الديمقراطيين في موقع المسؤولية عن خسارة موقع جيوسياسي بالغ الأهمية. ويذهب بعض الخبراء إلى أن تصريحات ترامب المتكررة بهذا الشأن تكشف بعداً انتخابياً انتقامياً أكثر من كونها خطة لإعادة الانتشار العسكري.
خسائر استراتيجية لواشنطن
يؤكد محللون سياسيون أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بدون الاحتفاظ بأي قاعدة كان خسارة فادحة لواشنطن، خصوصاً مع أهمية أفغانستان كنقطة توازن بين إيران والصين وآسيا الوسطى. وقد استغلت موسكو وبكين هذا الفراغ لتعزيز نفوذهما في المنطقة، بينما عانت واشنطن من تراجع قدرتها على تنفيذ “الفوضى الخلاقة” التي كانت تراهن عليها للعودة لاحقاً.
ورقة انتخابية لا عسكرية
رغم دعوات ترامب للعودة إلى باغرام، يرى خبراء أن الأمر أصبح شبه مستحيل عسكرياً في ظل الظروف الراهنة، خصوصاً مع رفض الأفغان لأي وجود أجنبي. وبالتالي تتحول القاعدة إلى ورقة سياسية انتخابية يستخدمها ترامب ضد الديمقراطيين لتسليط الضوء على ما يسميه “الخيبة الاستراتيجية” في الانسحاب، أكثر من كونها مشروعاً فعلياً لإعادة الانتشار الأمريكي.
تكشف قضية قاعدة باغرام عن تداخل السياسة بالاستراتيجية في السلوك الأمريكي تجاه أفغانستان وآسيا الوسطى. فبينما يسعى ترامب لاستثمار الملف انتخابياً لمهاجمة بايدن والديمقراطيين، تعكس هذه التصريحات إدراكاً عميقاً لأهمية الموقع الجغرافي للقاعدة في الحروب المؤجلة مع القوى الكبرى. غير أن الرفض الأفغاني الواسع يجعل من عودة القوات الأمريكية إلى باغرام سيناريو غير قابل للتحقق في الوقت الحالي، ليبقى الملف ورقة ضغط سياسية أكثر منه خطة عسكرية واقعية.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




