إيرلندا بين الشعارات والأرباح: تدين إبادة غزة بينما تموّلها سراً
ترجمة – نبض الشام
رغم ادعاء الحكومة الإيرلندية دعمها للقضية الفلسطينية واعترافها رسمياً بدولة فلسطين، تكشف الحقائق عن تناقض بين الخطاب والواقع؛ فبينما تندد دبلن بـ”الإبادة” في غزة، تستمر في تسهيل تجارة سندات الحرب الإسرائيلية، وتسمح بمرور الطائرات الأمريكية المحملة بالسلاح إلى تل أبيب عبر مطاراتها. في هذا التقرير، تكشف الكاتبة دوافع مشاركتها في أسطول الحرية العالمي لكسر حصار غزة، مسلطةً الضوء على نفاق حكومتها ودور أوروبا في استمرار المأساة.
ازدواجية الحكومة الأيرلندية
تدين إيرلندا ما تسميه “الإبادة في غزة” بينما تجني الأرباح من سندات الحرب الإسرائيلية. هذا ما دفعني للانضمام إلى أسطول الحرية العالمي المتجه إلى غزة هذا الأسبوع، حيث يشارك مئات الأشخاص من 44 دولة في محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي غير القانوني عبر توصيل مساعدات إنسانية ملحّة.
كإيرلندية، أشعر بالخزي من حكومتي التي تكتفي بخطابات تضامن جوفاء، بينما تواصل تسهيل أنشطة اقتصادية تدعم الاحتلال. طائرات عسكرية أمريكية يُحتمل أنها تحمل أسلحة لإسرائيل تمر بانتظام عبر مطار شانون دون أي تفتيش. وحتى مشروع قانون الأراضي المحتلة لعام 2018، الذي كان يفترض أن يحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، عالق في “اللامكان التشريعي” منذ سبع سنوات بسبب المماطلات المستمرة.
إيرلندا مركز لتسويق سندات الحرب
منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أصبحت إيرلندا —باختيار إسرائيل— الجهة الأوروبية الوحيدة التي توافق على تسويق سندات الحرب الإسرائيلية داخل الاتحاد. هذه السندات تتيح لإسرائيل جمع أموال تستخدمها علناً في تمويل حملتها العسكرية في غزة. وفي يونيو، رفضت الحكومة الإيرلندية اقتراحاً كان يهدف إلى إنهاء دور البنك المركزي في تسهيل بيع هذه السندات، في خطوة تعكس التناقض بين شعاراتها الإنسانية وممارساتها المالية.
صورة زائفة للتضامن
تفاخر إيرلندا بأنها اعترفت رسمياً بدولة فلسطين في مايو 2024، لكنها كانت الدولة رقم 142 التي قامت بذلك، أي بعد 35 عاماً من اعتراف 89 دولة بين 1988 و1989. بينما يرى العالم في هذا الموقف “بطولة إنسانية”، فإن الناشطين الفلسطينيين يدركون تماماً حجم نفاق الحكومة الإيرلندية. في المظاهرات الكبرى في دبلن، يصرخ الناجون من غزة ضد هذه الازدواجية السياسية، وهو شعور يشاركه أيضاً الناشطون في إيرلندا الشمالية الذين يرون أن دبلن لا تختلف كثيراً عن لندن في التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي.
القمع الأوروبي وصوت غزة
خلال العدوان الإسرائيلي على غزة بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر، كنت أعيش في برلين وشاهدت قمعاً شديداً للمظاهرات المؤيدة لفلسطين، حيث تعرض المسلمون لاستهداف مباشر من الشرطة الألمانية. الوضع أصبح أكثر عنفاً مؤخراً، فقد تعرضت الناشطة الإيرلندية كيتي أوبراين، 25 عاماً، لاعتداءين عنيفين على يد الشرطة الألمانية في برلين أثناء احتجاج مؤيد لغزة، ما أثار موجة غضب في دبلن ومطالبات رسمية من السفير الإيرلندي لدى ألمانيا.
صمت أوروبي وتواطؤ مستمر
رغم المظاهر، لا تختلف مواقف دول أوروبا كثيراً. فبينما تتظاهر إيرلندا وإسبانيا والنرويج بأنها تدعم فلسطين، إلا أنها لم تفرض أي عقوبات اقتصادية حقيقية على إسرائيل. وفي الوقت ذاته، تواصل ألمانيا دفاعها المطلق عن تل أبيب. أما الاتحاد الأوروبي ككل، فيحتفظ بعلاقات تجارية ودبلوماسية مع إسرائيل، مما يُفرغ إداناته من أي معنى عملي.
معركة السندات في إيرلندا
حالياً، يتركز نضال الناشطين الإيرلنديين على مهلة الثاني من سبتمبر، موعد قرار البنك المركزي بشأن تجديد موافقته على سندات الحرب الإسرائيلية. يتم تنظيم احتجاجات أسبوعية أمام البنك، وأعلن نشطاء نيتهم تنفيذ عصيان مدني يشمل إغلاق شوارع في وسط دبلن. كما بدأت النقابات العمالية في دعم الحراك الشعبي، مستلهمة تجربة عمال متاجر Dunnes الذين رفضوا التعامل مع بضائع جنوب إفريقيا في عهد الفصل العنصري عام 1984.
مواقف أوروبية متباينة
أعلنت النرويج أن صندوقها السيادي سحب استثماراته من خمس بنوك إسرائيلية ومن شركة كاتربيلر الأميركية، التي توفر لإسرائيل جرافات تُستخدم في هدم الممتلكات الفلسطينية. أما إسبانيا، فتسعى لتمرير حظر شامل على بيع الأسلحة لإسرائيل، وسط ضغوط على رئيس الوزراء بيدرو سانشيز لاستدعاء السفير الإسباني في تل أبيب. رغم ذلك، تبقى هذه التحركات متأخرة جداً مقارنةً بالرأي العام الأوروبي الذي يطالب بموقف أكثر حزماً ضد إسرائيل.
صرخة أخيرة من أجل غزة
تختتم كاتبة المقال بالتأكيد أن التاريخ لن يرحم، فـ”الجميع سيكون ضد ما يحدث في غزة عندما يصبح ماضياً، لكن الآن، بينما الإبادة جارية، يختار القادة الأوروبيون التواطؤ والصمت”. وتقول: “لا أستطيع أن أكتفي بالكلمات بينما تشارك حكومتي في تسهيل تمويل الحرب، ولهذا أبحر اليوم ضمن أسطول الحرية العالمي، محاولةً كسر الحصار الذي فشلت حكوماتنا حتى في التفكير بفرض عقوبات ضده”.
يعكس المقال صرخة غضب من مواطنة إيرلندية ترى حكومتها شريكة في تمويل آلة الحرب الإسرائيلية رغم شعاراتها المؤيدة لفلسطين. وبينما يتظاهر مئات النشطاء عالمياً لكسر حصار غزة، تظل ازدواجية المواقف الأوروبية حجر عثرة أمام تحقيق العدالة. إنها معركة بين الشعارات والمصالح، وبين الحقيقة والدعاية، وغزة هي من تدفع الثمن.




