ترجمات نبضتقاريرنبض الساعةنبضات وآراءنبضاتهمهيدلاينز

“مينارا”: مبادرة نووية تقلب المعادلة في الشرق الأوسط وتفتح باباً للسلام

مقال لـ جواد ظريف

ترجمة – نبض الشام

في ظل تصاعد الأخطار النووية وانسداد أفق الحلول الإقليمية، يدعو جواد ظريف إلى مبادرة جديدة تحت اسم “مينارا” تُحدث تحولاً استراتيجياً في المنطقة. يقترح نموذجاً للتعاون النووي السلمي يعالج قضايا الأمن، التنمية، والتغير المناخي، بعيداً عن التسلّح والمواجهات. المبادرة تمثل فرصة تاريخية لتجاوز الجمود والانقسام نحو مستقبل مشترك وآمن.

الطريق المسدود
قبل عقد من الزمن، وبعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني، دعا جواد ظريف عبر صحيفة “الغارديان” إلى إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، معتبراً أن نزع السلاح النووي لم يعد ترفاً بل ضرورة حتمية.

ورغم أن هذه الدعوة ليست جديدة، إذ اقترحتها إيران في الأمم المتحدة منذ عام 1974 وانضمت إليها مصر، إلا أن التقدم ظل معرقلاً على مدى نصف قرن بفعل الرفض الإسرائيلي والدعم الأميركي لهذا الجمود.

إخفاق الردع النووي
مع أن امتلاك الأسلحة النووية يُنظر إليه أحياناً كضمانة للأمن، فإن التجربة تُظهر العكس: فقد دفعت هذه الترسانات إلى المغامرات غير المحسوبة، من دون أن توفّر النجاح أو الحصانة أو الأمان للمواطنين.

الهجمات الأخيرة التي شنتها إسرائيل (وهي دولة مسلحة نووياً وغير موقعة على معاهدة عدم الانتشار) على منشآت نووية إيرانية خاضعة للرقابة الدولية، وضعت المنطقة على حافة هاوية نووية. إخفاق إسرائيل في تحقيق أهدافها، وفشل واشنطن في إخضاع طهران، يهددان بإغراق العالم في صراع دائم.

مبادرة “مينارا”
انطلاقاً من الحاجة لتجاوز الخطابات العقيمة، تقترح إيران إنشاء “شبكة الشرق الأوسط للبحوث والتقدّم النووي” أو “مينارا” (اسمها مستوحى من كلمة “منارة”) لتكون منصة إقليمية للتعاون النووي السلمي. تهدف المبادرة إلى جمع الدول المؤهلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بشرط الالتزام برفض إنتاج أو نشر الأسلحة النووية، والقبول بنظام تحقق متبادل للامتثال.

التعاون بدلاً من الردع
“مينارا” ليست بديلاً عن نزع السلاح، بل تمهيد له. فمن خلال ضمانات قوية ورقابة متبادلة، يمكن للتعاون النووي أن يعزز جهود عدم الانتشار ويوفر أمناً للطاقة دون التورط في مسارات عسكرية. كما تفتح المبادرة المجال للاستفادة من الطاقة النووية في مجالات متعددة مثل الطب، الزراعة، البحث العلمي، وإنتاج الطاقة.

تجاوز الهيمنة النووية
طالما اعتُبر نزع السلاح الإقليمي مرهوناً بتفكيك الترسانة الإسرائيلية. لكن نظاماً ارتكب جرائم دولية (من الفصل العنصري إلى الإبادة والمجاعة) لا يبدو أنه يتأثر بالضغوط الدولية، إذ حافظ على حصانته منذ أكثر من 50 عاماً. استمرار الاعتماد على هذا المنطق يُبقي مئات الملايين رهائن لواقع نووي هش وخطير. حان الوقت لتجاوز هذه المعادلة المعيبة.

علم من أجل الحياة
مبادرة “مينارا” تعيد تعريف النقاش النووي في المنطقة، من كونه تهديداً إلى كونه فرصة. فالعلوم النووية يمكن أن تكون أدوات لحل أزمات مصيرية كالمناخ، وشحّ المياه، وانعدام الأمن الغذائي. وفي ظل تقلص احتياطات النفط والغاز، تصبح الطاقة النووية خياراً لا غنى عنه للتنمية المستدامة في المنطقة.

هيكل المبادرة
تتولى “مينارا” تنسيق البحث والتعليم والتطوير بين الأعضاء، ودعم مشاريع مشتركة تشمل تخصيب اليورانيوم، إدارة النفايات، الاندماج النووي، والطب. يضمن مجلس تنظيمي مشترك الشفافية، ويتم تقاسم المنشآت والخبرات. وتُحدَّد مساهمات الدول بحسب قدراتها، على أن تعمّ الفائدة الجميع.

الشفافية والرقابة
ستكون الشبكة مقرها في إحدى الدول المشاركة، مع مكاتب ومنشآت تخصيب موزعة في دول أخرى. يتولى الإشراف مجلس محافظين يضم ممثلين وطنيين، وتُدعى للمراقبة أطراف دولية مثل الأمم المتحدة، مجلس الأمن، والوكالة الدولية للطاقة الذرية. وستُطبّق ضمانات صارمة لمنع أي انحراف نحو الاستخدام العسكري.

فرصة أخيرة
اليوم، تدرك شعوب المنطقة أن استمرار الوضع القائم يقود إلى كارثة. صحيح أن انعدام الثقة عميق، وأن المظالم متبادلة، لكن التاريخ لا يجب أن يحكم المستقبل. المطلوب الآن أن تبدأ دول المنطقة مفاوضات جدية حول “مينارا” بتنسيق من الأمم المتحدة ودعم من القوى العالمية.

لم تعد احتمالات التصعيد النووي مجرد افتراض، بل واقع يقترب بسرعة. لكن الطريق لم يُغلق بعد. يمكن لـ “مينارا” أن تكون بوابة عبور نحو شرق أوسط لا تحكمه ترسانات التهديد، بل تقوده ريادة علمية وسلام حقيقي. آن أوان التحرك الجماعي قبل أن يفوت الأوان.

المصدر
الغارديان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى